الاثنين، 16 نوفمبر 2015

خطر وعّاظ السلاطين ((زاد عاشوراء))

 خطر وعّاظ السلاطين
((زاد عاشوراء))

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا، قيل: يا رسول الله، وما دخولهم في الدنيا؟ قال: إتباع السلطان فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم"1.


بالعلم تنقشع الظلمات:

قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾2.

لقد حدّد الله في هذه الآية من سورة الجمعة المباركة مجموعة وظائف كلّف بها النبيّ لتحقيق الهدف الإلهيّ للبعثة وهو إخراج النّاس من الظلمات إلى النور، ومن هذه المقدّمات الموصلة إلى هذا الهدف تعليم النّاس الذي به يخرجون من ظلمات الجهل إلى نور العلم، بإنارة عقولهم، كما عمل على تربية النّفوس لإنارة هذه النّفوس وقلوبها، فهناك ظلمات أخرى متأتّية من أمراض تعتري الأفراد والجماعات من الانحرافات السلوكيّة، والانحرافات في ممارسة الاجتماع الإنسانيّ، من العصبيّات وغير ذلك.

إلّا أنّ أسوأ الظُّلمة ظُلمة القلب، وأساس كلّ ظلمة، ظلمة العقل، فإذا تشوشّت الأمور عند العقل فإنّ الإنسان يفقد وضوح الصورة، خصوصاً بالنسبة إلى الله سبحانه تعالى، فإنّه يفقد الصورة الصحيحة والواضحة للإنسان ودوره ووظيفته. فحينها لا بدّ أن يكون سيره على غير الطريق الموصل إلى الأهداف المتوخّاة من أصل وجود الإنسان، وهو معرفة الله وعبادته، كما أنّ من أهداف الإسلام نظم الحياة والعلاقات وتقديمها بما يجعل الحياة ظرفاً مملوءاً بالنّور من خلال إشراقة العلم المتحوّل عملاً وسلوكاً، فلا بدّ من التعلّم لمعرفة المنظومة الضابطة لسلوك الإنسان فرداً وجماعة بما يجعلهما مستقيمين في علاقاتهم وأعمالهم، وأخلاقهم ومسؤوليّاتهم في طريق السعي نحو الأهداف، وعليه فالعلم إنّما يكون للعمل هنا، وحتّى العلم الذي يعنى بمعرفة الله، هذا العلم الثاني هو وسيلة تحوّله إلى عمل، والمشكلة دائماً كانت في أحد أمرين: إمّا تخبّط الإنسان في الجهل وظلماته قاعداً عن تحصيل العلم، وإمّا في تخلّف العمل عن العلم وهو نحو آخر مموّه شيئاً عن التخبّط في ظلمات الجهل.


من هم معلّمو البشر؟

لا شكّ كما قدّمنا أنّ أصل هذه المسؤوليّة وهذه الوظيفة تقع على عاتق الأنبياء والأولياء عليهم السلام ولكنّهم قلّدوها العلماء كما في مدلول الحديث الشريف: "العلماء ورثة الأنبياء"3.

فعلى عواتقهم تقع مسؤوليّة بثّ العلم وترويجه، وكذلك عليهم مسؤوليّة ضرب النموذج العمليّ لمن يتحمّل هذا العلم، ليكونوا نماذج بسلوكهم وأخلاقهم تدعو إلى الله والحقّ. وكان حرام عليهم كتم العلم والقعود عن بيانه عند الحاجة إليه. وعليهم مسؤوليّة إمساك قلوب النّاس عند هبوب رياح الضلال والشكوك.

وكلّ ذلك يفترض قرنه بالعمل كما جاء في الحديث الشريف: "العلم يهتف بالعمل فإن أطاعه وإلّا ارتحل عنه"4.

وممّا جاء عن الإمام الباقر عليه السلام: "إذا سمعتم العلم فاستعملوه، ولتسع قلوبكم فإنّ العلم إذا كثر في قلب رجل لا يحتمله قدر الشيطان عليه فإن خاصمكم الشيطان فأقبلوا عليه بما تعرفون، فإنّ كيد الشيطان كان ضعيفاً"، فقلت وما الذي نعرفه؟ قال عليه السلام: "خاصموه بما ظهر لكم من قدرة الله عزَّ وجلَّ"5.


وعّاظ السلاطين:

ولقد أضاءت سماء العلم والعمل، والتبليغ، بكواكب من العلماء الأفذاذ العاملين بعلمهم، والواعظين بسيرتهم، فغدوا قدوات في طريق الهدى يتمثّلها النّاس، لكن ثمّة آخرون سقطوا وقد ذكر لنا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة والقرآن نماذج من هؤلاء المنحرفين من ذوي العلم، وممّا جاء في التنزيل في حقّ أحدهم: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾6.

وخلاصة ما أرادته الآيات عن هذا الذي كما يروى أنّ اسمه بلعم بن باعورا كان من قوم موسى وبلغ من المقام أنّه كان يعرف بعضاً من أحرف الاسم الأعظم لكنّ الشيطان أوغر قلبه حسداً فأراد أن يدعو على وليّ الله أو نبيّ الله فأصبح كما وصف القرآن.

والآيات تقول إنّه كان عالماً لكنّه في لحظة خرج لبوس علمه ومقتضى معرفته بأن أراد بها ما يرمز إليه الإخلاد إلى الأرض من طلب الدنيا بعلمه ومعرفته، مع أنّ من شأن هذا العلم أن يرفعه في درجات السموّ إلى العلياء، بمعنى آخر أطاع ترابيّته وعصى روحانيّته.

ومن أهمّ ما ابتلي به الإسلام ولا يزال طائفة من حاملي العلم موسومون بأنّهم علماء البلاط ووعّاظ السلاطين الذين يقومون بتسخير علومهم في خدمة الحكّام والظلَّام.


حقيقة حركة وعّاظ السلاطين:

1- خداع النّاس بالعلم:
إنّ للعلم سحره الأخّاذ الذي يؤثّر في العقول والنّفوس، ولئن كان السحرة يسحرون أعين النّاس فإنّ بضاعة هؤلاء التي يتسلّطون بها على النّفوس ليست حبالاً ولا عصيّاً وإنّما هي العلم، فيستغلّون جاذبيّة العلم وقداسته وقداسة العلماء ليجعلوا منهما بريقاً يخطف أبصار النّاس وعقولهم، فيلبسون الحقّ بالباطل ويخدعون النّاس، وهؤلاء بما يوهمون النّاس أنّه من العلم يكوِّنون لهم وعياً زائفاً عدّته زيّهم وأسلوب كلامهم المنمّق المدبّج.

2- استغلال ثقة النّاس:
لقد بنى العلماء المقدّسون الصالحون في ضمير البشريّة مقاماً شامخاً للعلم والعلماء، ممّا أورثهم على طول المسيرة البشريّة وعلى امتداد الأجيال ثقة وإجلالاً واحتراماً وحتّى قداسة، فوعّاظ السلاطين والفاسدون من العلماء يستغلّون هذه الثقة ويجعلونها رأس مالهم الذي به يدخلون إلى مشاعر النّاس وعقولهم وقلوبهم ويؤثّرون فيها، وذلك ليأكلوا الدنيا فيشترونها ويجعلون علمهم ثمناً لهذه الدنيّة وسلّماً يرتقون به مناصبها.

3- علم حقّ وعمل باطل:
إنّ الكثير من وعّاظ السلاطين يملكون معرفة صحيحة، لكنّهم يسيرون بخطى الباطل، لأنّ أهواءهم حدّدت لهم أهدافهم، وشهواتهم قائدهم إليها، ففي الوقت الذي يملكون معرفة بالله والشريعة في عقولهم لكن قلوبهم مأوى الشياطين كما جاء عن النبيّ الأكرمصلى الله عليه وآله وسلم: "أوحى الله إلى داود عليه السلام، لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً بالدنيا فيصدّك عن طريق محبّتي، فإنّ أولئك قطّاع طريق عبادي المريدين، إنّ أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة مناجاتي عن قلوبهم"7.


خاتمة: وعّاظ سلاطين في كربلاء:

ولقد ابتليت النهضة الحسينيّة بنماذج من وعّاظ السلاطين وهم كثر، إلّا أنّ من أبرزهم كان شريح القاضي، الذي كان له دور في تخذيل النّاس عن مسلم بن عقيل، من خلال استغلال منصبه كقاضٍ، فعمل على إخماد ثائرة المذحجيّين بالكذب عليهم حتّى لا يقتحموا دار الإمارة، فصدّقوا كذبه وأيمانه المغلّظة وتفرّقوا، وتمّ استفراد هانئ بن عروة، ومن بعده مسلم، وأُخمدت الثورة المناصرة لحركة الإمام الحسين عليه السلام وكانت هذه الخطوة هي الخطوة الرئيسيّة التي بعدها تخاذل النّاس عن مسلم وعن الحسين عليه السلام وأدّى ذلك إلى أن دانت الكوفة وسلّمت قيادها لابن زياد.

فكان لشريح نصيب في دم شهداء النهضة الحسينيّة لا يقلّ عن نصيب ابن زياد وابن سعد واضرابهما (لعنهم الله جميعاً).

* كتاب زاد عاشوراء، إعداد معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- أصول الكافي، ج1، ص46.
2- سورة الجمعة، الآية 2.
3- أمالي الصدوق، ص 116.
4- أصول الكافي، ج1، ص44.
5- أصول الكافي، ج1، ص45.
6- سورة الأعراف، الآيتان 175 - 176.
7- أصول الكافي، ج1، ص46.

السبت، 14 نوفمبر 2015

إخوان الصدق

إخوان الصدق


أـ خير الأخوان

1ـ المحبّ في الله تعالى:
عن أمير المؤمنين عليه السلام: "خير الإخوان من كانت في الله مودّته"2.
وعنه عليه السلام: "خير الإخوان من لم تكن على الدنيا أخوّته"3.

2ـ المواسي لك:
عن أمير المؤمنين عليه السلام: "خير إخوانك من واساك وخير منه من كفاك وإذا احتاج إليك أعفاك"4.
وفي حديث آخر: "خير أخوانك من واساك بخيره وخير منه من أغناك عن غيره"5.

3ـ الداعي إلى الله تعالى:
والمراد منه من كانت دعوته بالعمل إضافة إلى القول كما عبّرت عن ذلك النصوص الشريفة حيث ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: "خير إخوانك من دعاك إلى صدق المقال بصدق مقاله، وندبك إلى أفضل الأعمال بحسن أعماله"6 و"خير إخوانك من سارع إلى الخير وجذبك إليه وأمرك بالبرّ وأعانك عليه"7.

4ـ المعين على الطاعة:
عن أمير المؤمنين عليه السلام: "المعين على الطاعة خير الأصحاب"8.
وعنه أيضاً: "إذا أراد الله بعبدٍ خيراً جعل له وزيراً صالحاً إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه"9.
وفيما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما سئل من أفضل الأصحاب: "من إذا ذكرت أعانك وإذا نسيت ذكّرك"10.

حيث تكون الوظيفة الأولى في حالة الذكر بأن الله تعالى حاضر وناظر وهي المعاونة ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْم وَالْعُدْوَانِ﴾ وتكون الوظيفة الثانية في حالة النسيان والغفلة هي التذكير والتوعية اتجاه المسؤولية الإلهية الملقاة على عاتقه.

ب- خير الجلساء:
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينما سئل أي الجلساء خير؟ فقال: "من ذكّركم بالله رؤيته وزادكم في علمكم منطقه. وذكرَّكم بالآخرة عمله"11.

يعني أن الأمور المذكورة تساهم مساهمة حقيقية في بناء الشخصية الإيمانية ومصدرها الخير الذي هو عليه في الحال والمنطق والعمل حيث تكون الثمرة من هذه المجالسة مكسباً معنوياً سواء في ذكر الله أو زيادة العلم أو تذكر الآخرة، وليس غريباً أن المؤمن إذا فقد أخاه وجليسه الذي يمتاز بهذه المواصفات أن لا يحب البقاء بعده وهذا دليل أنه من الخيرة والصفوة ويشعر أن الذي فقده هو بعضه كما يقول أحد الشعراء:

ومن محن الدنيا بقاؤك بعد مَنْ          إذا رحلوا أبقوك دون مشابهِ
فوجهٌ إذا ما غاب تبكيه ساعةً           ووجهٌ تملّ العمر عند غيابهِ
وتدفن فيه بالثرى إن دفنتهُ              وجودك إن المرء بعض صِحابهِ

ج- إخوان الصدق:
وهم الذين ينبغي معاشرتهم، يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "وعليك بإخوان الصدق فأكثر من اكتسابهم، فإنّهم عدّة عند الرخاء وجنّة عند البلاء"12.

وعن الإمام الحسن عليه السلام في وصيته لجنادة في مرضه الذي توفي فيه: "اصحب من إذا صحبته زانك، وإذا خدمته صانك، وإذا أردت منه معونة أعانك، وإن قلت صدّق قولك، وإن صلت شدّ حولك، وإن مددت يدك بفضلٍ مدّها، وإن بدت عنك ثلمة سدَّها، وإن رأى منك حسنةً عدّها، وإن سألته أعطاك، وإن سكتّ عنه ابتدأك وان نزلت إحدى الملمات به ساءك"13.

دـ مصاحبة العلماء:
لقد أكدّت الروايات المباركة على مصاحبتهم ومجالستهم لأنهم قادة الركب الربانيّ الذين يأخذون بيد المرء إلى العالم العلوي ويصلون به إلى حيث أراد الله سبحانه من خلال بثّ معارفهم وممارسة دورهم في الهداية والتربية والدفاع عن مبادئ الدين وصيانة الشريعة من أن تدخلها البدع والانحرافات ومما ورد في ذلك:

عن أمير المؤمنين عليه السلام: "عجبت لمن يرغب في التكثر من الأصحاب كيف لا يصحب العلماء الألبّاء الأتقياء الذين يغتنم فضائلهم وتهديه علومهم وتزينه صحبتهم"14. 
وعنه عليه السلام أيضاً: "جالس العلماء يزدد علمك ويحسن أدبك"15.
وما في وصية لقمان لابنه: "يا بنيّ جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله عز وجل يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل السماء"16.

وعليه يكون في مقابل ذلك ترك مجالستهم موجباً للخذلان من الله تعالى، لأن الابتعاد عنهم معناه الابتعاد عن المدرسة الإلهية التي أمر المولى سبحانه بالتربي في كنفها وتحت ظلالها، وهذا ما جاء صريحاً في دعاء الإمام السجّاد عليه السلام: "أو لعلك فقدتني من مجالس العلماء فخذلتني".

هـ- مصاحبة الحكماء:
وهناك روايات أكدّت أيضاً على مصاحبة الحكماء ومجالسة الحلماء لما في هذين الصنفين من الناس من مواصفات عالية تترك آثارها في الجنبة العلمية وكذلك العملية بما يساعد الإنسان عبر العلاقة بهم في طريقه إلى الكمال.

فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "صاحب الحكماء وجالس الحلماء وأعرض عن الدنيا تسكن جنة المأوى"17.
وفي رواية أخرى: "أكثر الصلاح والصواب في صحبة أولي النهى والصواب"18.

وـ مخالطة كرام الناس:
حيث ذكرت جملة من الروايات إنها موجبة للسعادة ومبعدة للشقاوة.
ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أسعد الناس من خالط كرام الناس"19.

* انت والمجتمع , سلسلة الدروس الثقافية , نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

1- ميزان الحكمة، ح220.
2- م.ن، ح264.
3- م.ن، ح265.
4- ميزان الحكمة، ح2624.
5- م.ن، ح2634.
6- م.ن، ح2685.
7- م.ن، ح2674.
8- م.ن، ح13301.
9- م.ن، ح10333.
10- م.ن، ح10330.
11- بحار الأنوار، ج71، ص186.
12- بحار الأنوار، ج71، ص187.
13- ميزان الحكمة، ح10243.
14- م.ن، ح10248.
15- ميزان الحكمة، ج1، ص55.
16- م.ن، ج1، ص402.
17- م.ن، ح10245.
18- م.ن، ح10244.
19- م.ن، ح10251.

الحق والباطل في نهج البلاغة

الحق والباطل في نهج البلاغة


تمهيد:
يرغب كل امرىء في معرفة الحق من الباطل والإطلاع على الحقيقة وتطبيقها على نفسه ومجتمعه.والجميع يودون نصرة الحق، وهم يدعون ذلك أيضاً.

وكل يقول: إن عملي، أو عملنا، ومواقفنا، وأسلوبنا في الحكم، ونمط حياتنا، ونظامنا الفكري والعقائدي، وسلمنا وحربنا، وعلاقاتنا الداخلية والخارجية... كلها على حق!

وكل منا يسعى لإظهار نفسه أنه على حق، وهذه الحالة النفسية من الأساليب والحيل المعروفة عند الإنسان التسويفي، إذ يدعي كل من  الظالم والمظلوم، والمستعمر والمستعمر، والمعتدي والمعتدى عليه، بأنه على حق، ويحاول تبرئة نفسه من الباطل، وإلباس أعماله بلباس الحقيقة، ويزعم أن الحق معه، وأن له الحق في أن يفعل هذا الشيء أو ذاك.

إذن، ينبغي قبل كل شيء تعريف الحق والباطل ومعرفتهما. وبعد معرفة الحق والباطل، نستطيع أن نميز بين أنصار الحق الحقيقيين ومن يدّعونه كذباً وزوراً، فلا تنطلي علينا أحابيل أهل الباطل، ونميز الحق وقول الحق وسبيل الحق عن الباطل ومن يتبعه.

وهذا النوع من البحوث نافع وضروري جداً لجيل الشباب، وذلك لدفعه نحو "النظرة الواقعية" و "التفكير الواقعي" لكي يعرف الحق والحقيقة، ويطلع على سبيل النضج والتكامل، فيساهم بنجاح في صنع مستقبل المجتمع الإسلامي.

قال الإمام علي عليه السلام:"رحم الله رجلاً رأى حقاً فأعان عليه، أو رأى جوراً فردّه، وكان عوناً بالحق على صاحبه"1.

تعريف الحق والباطل:
أ-الحق ما كان موجوداً مثل "القوانين المسيطرة على نظام الخلقة و...". والباطل ما ليس موجوداً بل يزعمون حوله وزاعم كاذبة.

ب-ان ما هو موجود ولا بد أن يكون وجوداً مثل "العدالة والنظام العام" هو الحق، وأن ما هو وجود ويجب ألا يكون له وجود، مثل "الظلم والجور، والإنحرافات الخلقية، والإعتداءات البشرية، والمزاعم الكاذبة و..." هو الباطل.

إذن فالتعريف الكامل للحق يكمن في عبارتين:
1- أن يكون له وجود
2- ويجب أن يكون له وجود.

إذ لو كان أساس معرفة الحق "وجوه" فحسب، لشمل ذلك كثيراًمن مصاديق الباطل الموجودة، ولكننا إذا ربطنا العبارتين السبقتين انتفى كل باطل.

إذن فالباطل أو غير الحق هو:
أ- أن يقال كذباً أن شيئاً ما موجود دون أن يكون له وجود.
ب- يجب أن لا يكون موجوداً حتى إن وجد في مكان ما.

ولا بد من التذكير بأن الأساس في الوجوب، وعدم الوجوب، قد حدده الله خالق الإنسان وأبلغه إلى البشرية عن طريق الوحي والقرآن.

قال الإمام علي عليه السلام:"كتاب ربكم فيكم مبيناً حلاله وحرامه، وفرائضه وفضائله"2. 

ضرورة معرفة الحق والباطل:
لا بد لبني البشر من أن يعرفوا الحق والباطل من أجل بناء ذولتهم وبلوغ الكمال الحقيقي، لأننا إذا جهلنا القوانين السائدة في الطبيعة.

عجزنا عن الإستفادة منها. وقد يؤدي ذلك إلى القضاء على سلامتنا وصحتنا.

فإذا لم نعرف، مثلاً، القوانين المسيطرة على جسم الإنسان ولم نميز بين الأطعمة السائغة النافعة، والمواد الضارة، لم نستطع الإستمرار في الحياة.

ونتيجة لذلك أننا إن لم نعرف-في الحياة الفردية والإجتماعية- المباديء والضوابط الأخلاقية، ولم نميز السلوك والتصرف المقبول والحق من غير المقبول والباطل، لم نبلغ سعادة ولا تكاملاً، ولاستحال علينا بناء الذات والمجتمع، إذ أن ضرورة بناء الذات والتكامل ترتبط بضرورة وجود الحقائق الثابتة.

الإمام علي عليه السلام، في "نهج البلاغة" ينبه البشرية إلى الحقائق الثابتة والمدهشة في النظام الأحسن للخلق، فيتحدث عن:

النظام:
والنظام المتنسق العام.
والنظام المستمر.
وقوانين الحياة الدقيقة.
وتناسق مجموعة نظام الوجود.
والهدفية في خلق المخلوقات.

يشير إلى ذلك لكي يصف خالق هذا النظام الأحسن كما يعرفه هو. وبعد أن ينتهي من إثبات وجود الله. يوجهنا نحو حلال الله وحرامه وحدوده، ويعرّف الحق والباطل والحقائق الخالدة الثابتة دائماً، واحدة بعد أخرى، ويذكّرنا في هذه المسيرة الحكيمة والعالمة بضرورة معرفة الحق وأتباعه، ويدعو البشرية إلى نصرة الحق.

إمكان معرفة الحق:
بعد أن يعرض الإمام عليه السلام حقائق نظام الوجود الرائعة، ويثبت وجود الخالق، نجده يقول:"قد أوضح لكم سبيل الحقّ، وأنار طرقه، فشقوةٌ لازمةُ، أو سعادةدائمة"3

ثم يشير إلى الهدية التي جاءت بها بعثة رسول الله صلى الله عليه وآله ويدلنا على أن كل جهود بني الإسلام انصبت على تعريف الحق وفضح الباطل، فيقول:
"...وخلّف فينا راية الحق، من تقدّمها، مرق، ومن تخلّف عنها زهق، ومن لزمها لحق"4 .

وبعد ذلك يشير إلى المواقف التي اتخذها هو فيقول:
"...وأقمت لكم على سنن الحقّ في جوادّ المضلّة حيث تلتقون ولا دليل"5 .

إذا ما طالعنا ما ورد في "نهج البلاغة" عن الحق والباطل توصلنا إلى النتائج التالية:

1-ان الحق والحقائق الثابتة والخالدة لها وجود، ويمكن معرفتها.

2-ان تكامل الفرد والمجتمع، من حيث الأبعاد المادية والمعنوية يكون في اتباع الحق والحقيقة.

3-ان التمرد على الحق يؤدي بالفرد والمجتمع إلى الإنحراف والفساد والسقوط.

4-يتحمل كل إنسان واجباً ومسؤولية في معرفة الحق والباطل.

ولما كان للحق وللحقائق وجود ووجب بلوغ النضج والسعادة بالنظرة الواقعية، فإن الإمام علي عليه السلام يرشدنا بالقول:"لا يؤنسنّك إلا الحقّ، ولا يوحشنّك إلا الباطل"6

ونظراً للمشاكل التي ترافق النظرة الواقعية و اتباع الحق فإنه يشجعنا جمعياً على الصبر والتحمل، لكي نسير دوماً على طريق الحق، ولا تجرنا المشاكل إلى الباطل، يقول عليه السلام: "...وعود نفسك التصبّر على المكروه، ونعم الخلق التصبر في الحقّ"7 .

نتيجة لذلك يمكننا حصر ضرورة معرفة الحق والحقائق في الحالات التالية:

1- معرفة الحق والباطل من أجل بناء الذات.

2- معرفة الحق والباطل من أجل بناء الإنسان.

3- معرفة الحق والباطل من أجل بناء المجتمعات البشرية.

4- معرفة الحق والباطل من أجل بلوغ النضج والسعادة المعنوية.

5- معرفة الحق والباطل من أجل سلامة جسم الإنسان ونفسه.

6- معرفة الحق والباطل من أجل سيادة القيم الآخلاقية الصحيحة.

7- معرفة الحق والباطل من أجل معرفة مباديء الجهاد التحريري ضد الحكومات السلطوية.

8- معرفة الحق والباطل من أجل القضاء على الجهل.

إن الحق والحقيقة يعينان ما يجب، ويعينان القيم التكاملية.

الواقعية تعني القوانين السائدة في المنظومة الشمسية وفي الطبيعة، وفي المجتمع، وفي العالم، وفي نظام الخلق.

والحق يعني القوانين والمبادىء التكاملية السائدة في نظام الوجود،ولدى خالق الكائنات القدير الحي القيوم، والحق والحقيقة هما اللذان يتجسدان في الأحكام الإلهية، والقيم الأخلاقية، والعلاقات الإنسانية الصحيحة، والحدود والضوابط، وحكومة العدل الإلهي، لذا فمن الضروري معرفتهما واتباعهما، إذ إن إهمال الحق والتغاضي عنه تعقبه عواقب وخيمة لا تعوّض خسائرها.

إذن، فنحن قادرون على رؤية الحق ومشاهدة مصاديق الحقيقة في كل مكان وفي كل شيء، ثم تطبيق ذلك على أنفسنا وعلى حياتنا الفردية واللإجتماعية، والسير دوماً على طريق التكامل، إذ يقول الإمام عليه السلام:"...ظهر للعقول بما أرانا من علامات التدبير المتقن والقضاء المبرم"8 .

كيف نواجه الحق؟
بعد الاعتراف بوجود الحق والباطل ومعرفة تأثير كل منهما في تقرير مصير الفرد والمجتمع، علينا الآن أن نفكر جيداً: كيف يجب أن نكون أمام الحق والباطل؟
وعلى أي أساس نتخذ مواقفنا لكي نبلغ النضج والتكامل الحقيقي؟
ان الإجابة الصحيحة والشافية عن هذه الأسئلة يطرحها "نهج البلاغة" ضمن المواضيع الاتية:

1 ضرورة الوعي: ترتبط درجة نضج الفرد والمجتمع وتكاملهما ارتباطاً كاملاً بدرجة وعيهما ومعرفتهما الحق والباطل والحقائق، فالصحة النفسية والأخلاقية للفرد والمجتمع شأنها شأن الصحة والسلامة الجسدية فهي ترتبط مباشرة بمعرفة عوامل الصحة وسبل مكافحة الأمراض المختلفة.
اذن، ينبغي قبل كل شي‏ء التوصل الى المعرفة والوعي اللازم.
يقول الإمام علي عليه السلام:"وَكَفى بِالمَرءِ جَهْلاً أَلاّ يَعرِفَ قَدرَهُ"9.

2 التزام الحق: بعد معرفة الحق من الباطل واكتساب الوعي اللازم، علينا التزام الحق والحقيقة والابتعاد عن الباطل. ان التزام الحق يعني السعي اليه والعمل به وعدم الخوف من أية مشاكل تقف على هذا الطريق.
قال الإمام عليه السلام:"أَفْضَلُ النّاسِ عِندَ اللّهِ من كانَ العَمَلُ بِالحَقّ‏ِ أَحَبّ‏ُ إِلَيهِ وَإنّ نَقَصَهُ وكَرّثَه، مِنَ الباطِلِ وَإِنْ جَرَّ إِلَيهِ فائِدَةً وَزادَهُ"10.
وفي عبارة أخرى يعلمنا أن الحق والحقيقة يجب ان يتخذا أساساً لعمل الانسان لكي ينال السعادة، فهو عليه السلام يقول:"... وَلْيَكُن أحَبّ‏ُ الأُمُورِ إِلَيكَ أَوْسَطُها في الحَقّ‏ِ وَأَعَمُّها في العَدلِ"11.

3 العمل: لا يكفي، في نظر "نهج البلاغة" معرفة الحق والحقيقة والميل اليهما، بل يجب أيضاً السعي للعمل بالواقع وتحقيقه وتطبيق الحق، والامتناع عن رفع الشعارات فقط.

يقول الإمام علي عليه السلام:"... وَاللّهِ لَهِيَ أَحَبّ‏ُ إِلَيّ‏َ مِن إِمْرَتِكُم، إِلاّ أَنْ أقيمَ حَقّاً أَو أَدفَعَ باطِلاً"12.

4 مقارعة الباطل: بعد معرفة الباطل، يجب العمل من أجل مكافحته والقضاء عليه واستئصال جذروه لكي يمهد السبيل أمام تحقيق الحق ويتسع المجال لتحقق النضج والتكامل، يقول الإمام علي‏عليه السلام:"وَأَيمُ اللّهِ لأَبقُرَنّ‏َ الباطِلَ حَتّى أُخرِجَ الحَقّ‏َ مِن خاصِرَتِهِ"13.

5 الانصياع للحق والحقيقة: بعد معرفة الحق والحقيقة، لا بد من التزامهما وتحقيقهما، ويجب عدم رفع لواء معارضة الحق والحقيقة، أو مناوءة القوانين السائدة في نظام الخلق، يقول الامام علي عليه السلام:"مَنْ أبدى صَفْحَتَهُ للِحَقّ‏ِ هَلَكَ"14.
بعد ذلك يشير الى زوال القيم وانهيارها لدى الأمم السالفة فيقول ‏عليه السلام:"... فَإِنّما أَهَلَكَ مَن كانَ قَبلَكُمْ أَنَّهُمْ مَنعُوا النّاسَ الحَقّ‏َ فاشتَرَوهُ، وَأَخَذُوهُم بالباطِلِ فَافْتَدَوهُ"15.

6 التحرك ضمن حدود الحق: بعد معرفة الحقائق والانصياع للحق، علينا ادراك حقيقة أساس مفادها أن الحركة التكاملية لا تتحقق إلا ضمن حدود الحق وفي إطاره، ولن تكون نتيجة أي صراع مع الحق، أو تقدم عليه، أو تجاوزه إلاّ الهلاك والتعاسة، لذا لا بد من معرفة حدود الحق والحقيقة، واحترامها. يقول الإمام علي عليه السلام:"مَنْ تَعَدَّى الحَقّ‏َ ضاقَ مَذهَبُهُ"16.

7 محاربة انصار الباطل: مثلما كان علينا القضاء على الباطل، ومكافحة المفاسد، علينا أيضاً محاربة انصار الباطل ومكافحتهم، لكي لا يتمكنوا من طرح الباطل من جديد، واشاعة الأفكار الباطلة، يقول الإمام علي عليه السلام:"... وَلَعَمري ما عَلَيّ‏َ مِن قِتالِ مَن خالَفَ الحَقّ‏َ وَخابَطَ الغَيّ‏َ مِن إدهانٍ وَلا إيهانٍ"17.

8 معرفة مُثلُ الحق الكاملة: بعد معرفة الحق والباطل، فإن لمعرفة مثل الحق الكاملة اثاراً تربوية كثيرة، لأن الناس بحاجة الى المثال الكامل الحق في عملية بناء الذات واصلاح السلوك الفردي والاجتماعي، اذ باطاعته واتباعه يبلغ السعادة وينجو من الانحراف.
والامام علي عليه السلام يصف بهذا الشأن نبي الإسلام والأئمة الحقيقيين بأنهم مُثل الحق الكاملة، فيقول:"... أَرسَلَهُ داعِياً إِلى الحَقّ‏ِ وشاهِداً عَلَى الخلقِ"18.
ويقول عن أهل بيت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم:"وَبَينَكُم عِترَةُ نَبيكُم وَهُم أَزِمَّةُ الحَقّ‏ِ وَأَعلامُ الدّينِ"19.

وبذلك لن يواجه البشر مشكلة في السير على طريق التكامل ومحاربة الباطل والزيف، اذ ان الحق والحقيقة قائمان، ومعرفتهما أمر ممكن، كما أن مثل الحق الكاملة تدلنا دوماً على الفضائل وتحذرنا من الرذائل، وتدل البشرية على سبيل اتباع الحق ومقارعة الباطل. يقول الإمام علي عليه السلام بهذا الشأن:"الذّليلُ عِندِي عَزِيزٌ حَتّى اخُذَ الحَقّ‏َ لَهُ، وَالقَويّ‏ُ عِندي ضَعِيفٌ حَتى اخُذَ الحَقّ‏َ مِنه"20.

* كتاب الحق والباطل في نهج البلاغة، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- الخطبة205
2- الخطبة 1
3- الخطبة 157
4- الخطبة 100
5- الخطبة 4
6- الخطبة 130
7- الرسالة 31
8- الخطبة 182
9- الخطبة 16
10- الخطبة 125
11- الخطبة 53
12- الخطبة 33
13- الخطبة 104
14- الخطبة 16
15- الرسالة 79
16- الرسالة 31
17- الخطبة 24
18- الخطبة 116
19- الخطبة 87
20- الخطبة 37

الأحد، 12 يوليو 2015

التقوى

التقوى

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله الذي لا مقنوطٌ من رحمته، ولا مخلوٌّ من نعمته، ولا مُؤيَسٌ من روحه، ولا مستنكَفٌ عن عبادته، بكلمته قامت السماواتُ السبع، واستقرَّت الأرض المهاد، وثبتت الجبال الرّواسي، وجرت الرياح اللواقح، وسار في جو السماء السحاب، وقامت على حدودها البحار. نحمده كما حمد نفسه وكما هو أهله، ونستعينه ونستغفره ونصلي على أشرف خلقه محمد وآله الأطهار.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾.

تحدّد الآية الكريمة غاية الصوم بأنّها التقوى التي هي:

أ- معيار الأفضل عند الله تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾.

ب- جاذبة الحبّ الإلهي: ﴿ فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾

ج- أجمل ثوب إنساني: ﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾.

د- براقُ الإنسان إلى الغاية العليا: ﴿ فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾.

والتقوى التي من خلالها نُحافظ على مكتسبات شهر رمضان هي صاحبة مفهوم دفاعي يعني المنعة والتحصين في مواجهة الشيطان الذي يقوم في حربه مع الإنسان بنوعين من الأدوار:

أ- منع.

ب- وإسقاط منعة.

فالدور الأول وهو المنع يحاول به الشيطان أن يمنع الإنسان من التكامل والتطوّر، فإذا انتصر الإنسان على الشيطان في هذه المرحلة واكتسب خيراً وتكامل في مساره يأتي:

الدور الثاني للشيطان الذي يحاول به أن يُفقد الإنسان مناعة المحافظة على مكتسباته.

وهنا تأتي أهمية التقوى التي هي غاية رسالة الصوم.

فالتقوى بمعنى المنعة، والصوم هو مدرسة صناعة هذه المنعة في وجه الشيطان.والشيطان لا يقتصر على شيطان الجن، فإن شياطين الإنس يسيرون في نفس مسار إبليس.

رحم الله الإمام الخمينيقدس سره الذي طالما استخدم مصطلح الشيطان على قوى الاستكبار العالمي فسمّى أمريكا بالشيطان الأكبر وإسرائيل بالشيطان الأصغر؛ وذلك لأنَّ دور قوى الاستكبار العالمي ليس فقط حروباً خشنة تُخاض من خلال حروب عسكرية بل هناك حروب ناعمة قد تكون في بعض جوانبها أكثر خطراً من تلك الحروب، وهدفهم هو ما ذكرته:

- منع التطور
- إسقاطه إن حصل

وقد استطاعوا لفترة طويلة من القرن العشرين أن يحقّقوا نتائج واسعة في هذا الإطار، فمنعوا أن تُضاء مشاعل الأمل، وإذا أُضيئت شعلة منها حاولوا أن يطفئوها، كما حاولوا في عام 1979 إطفاء شمعة رفع الحرمان ومقاومة الصهاينة من خلال اختطاف القائد الرؤيوي المقاوم الإمام السيد موسى الصدر عبر مؤامرة نفّذها الطاغية اللعين معمّر القذّافي.

لكن ما صدمهم بعد أشهر قليلة هو ثورة الإمام الخمينيقدس سره المباغتة التي فاتهم منعها فعملوا على إسقاطها بشتّى الوسائل عسكرياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، لكنّها صمدت بوجه ذلك كلّه والسبب الأساس -تحت عين الله تعالى- هو أمران:

الأول: أنها اعتمدت على المنهج الإسلامي الإيماني الذي يقوّي من عزيمة الناس ومنعتهم.

كان الإمام الخمينيقدس سره في أحلك الظروف الاقتصادية يتحدّث عن دور مدرسة شهر رمضان في تحقيق منعة الناس فيقول: "نحن قوم اعتدنا أن نصوم في السنة شهراً، ونحن مستعدون أن نصوم كل السنة ولا نرضخ لأعداء الله".

الثاني: أنها اعتمدت على قبول الشعب لمبادئ الثورة ومواكبته الدائمة لمسارها عبر الاستفتاءات والانتخابات.

بهذين الأمرين -تحت عين الله تعالى- صمدت الجمهورية الإسلامية في إيران بل تطوّرت وتطوّرت حتى وصلت المستوى الريادي الذي نشهده اليوم. وقد أقلق هذان الأمران الكثير من الممالك والإمارات والدول في المنطقة خوفاً على العروش والكراسي من إيمان يجذب، وشعب يستيقظ، اليقظة التي دعا إليها الإمام الخمينيقدس سره.

فعند اغتيال السادات دعا الإمام الخميني شعب مصر إلى الاستفادة من هذه الفرصة ليعبِّر عن إرادته الحرَّة في رسم مسار بلاده، معلناً أنّ الشعب قادر على تحقيق النصر، وإن لم يفعل فإنه يحتاج إلى سنوات طويلة.
ومرّت السنون والشعوب ترى تلك التجربة الناجحة تمتثل أمامهم والتي واكبها مقاومة في لبنان استمدت نورها من نفس فيض الإمام الخمينيقدس سره، مقاومةٌ انصهر فيها المجاهدون مع مجتمعهم فاستطاعوا تحت عين الله أن يحقّقوا النصرين في الـ 2000 و 2006.

إنّ مواكبة الشعوب في المنطقة لتجربة الدولة الإيمانية الشعبية الناجحة زاد من تطلِّعهم نحو مستقبل مشرق يحقّق طموحهم ويخرجهم من حالة الذلّة والهوان التي طالما شعروا بها، إلا أن حاجز خوف مصطنع كان يمنعهم من المسير.

وجاءت حرب تموز لتعيد انتصار ذات المسلم والعربي على ذاته المقهورة، وتكسر ذلك الحاجز الموهوم، فكانت الثورات العربية. وهنا لم يستطع الشيطان الأكبر أن يمنعها فدخل في النوع الثاني في أسلوبه الشيطاني بأن يسقطها ولو إسقاطاً ناعماً. كما حاول ويحاول أن يستغل تلك العناوين الجذّابة من الحرية وغيرها، ليقضي على منعة بعض الدول التي وقفت أمام مشروعه مستغلاً نقاط ضعفٍ في هذه الدول.

اليوم نحن مع ثورة قام بها الشعب المصري نأمل أن تعيد مصر إلى موقعها الريادي في منعة الأمة وتقدّمها، محصِّنة لها من ضغوطات سياسة الاستكبار العالمي وأموال الملوك والأمراء، لعلّ ما حصل من موقف مصري أخير تزامن مع عملية المقاومة الفلسطينية النوعية يضيء شعلة أمل في ذلك.

كما نشهد اليوم ثورة ليبيا على الطاغيّة المعمِّر "(ليزدادوا اثما" ، والتي نأمل أن يكون من يقودها في المستقبل هو وعي الشعب الليببي من المؤامرة الدولية من الناتو وغيره والذين لم يقوموا بما قاموا به لخدمة الإنسانية أو لحبّ هذا الشعب، بل لأجل مطامع في هذه الدولة الغنية بثرواتها النفطية، ولأجل إحكام قبضتهم على شعوب المنطقة في خدمة مشاريعهم.

كما نأمل أن تنتج هذه الثورة الجواب القطعي الذي انتظرناه عشرات السنين حول مصير إمام المقاومة المغيَّب السيد موسى الصدر.

وفي مقابل هذه الثورات وعلى نفس القاعدة الشيطانية حاول الاستكبار العالمي أن يُسقط النموذج الراقي المحرِّك لشعوب المنطقة وهو دولة إيران الإسلام وفشل ببركة ولاية الإيمان ويقظة الشعب.

كما يحاول اليوم وبشعارات برَّاقة أن يقضي على منعة سوريا بإرضاخها لفكّ ارتباطها بإيران والمقاومتين اللبنانية والفلسطينية.

كما حاول الاستكبار أن يُسقط النموذج الراقي الذي أحيا نفوس الشعوب وأرشدها إلى مكامن قوّتها ألا وهو المقاومة في لبنان من خلال المحكمة الدولية. وهو أيضاً فشل في ذلك بسبب المواكبة الإلهية وتلك اليقظة المباركة، حتى أصبحت المحكمة الدولية اليوم لا يتعدّى مفعولها حبر أوراق الصحف، وأثير ألسنة المذيعين.

في عيد الفطر وكمجتمع مقاومة ينبغي لنا أن نلتفت إلى أمرين هامين في حياتنا:

الأول: أن نشكر الله تعالى على ما منّ به علينا من عزٍّ وكرامةٍ في الوطن والأمة بفضل إخلاص المجاهدين وصبرهم ومصابرة مجتمعهم، وبفضل جهوزية المجاهدين، وسلاح المقاومة التي تسير على قاعدة سنَّها النبيّ(ص) "من استوى يوماه فهو مغبون" فالمقاومة اليوم أقوى مما كانت عليه في السابق، ونحن بسبب هذا الإخلاص والجهوزية والسلاح نعيش بإبائنا وعزّتنا وكرامتنا.

بل نحن ننظر إلى اليوم الذي يخطئ فيه الصهاينة في شنِّ حرب على لبنان بأنّه اليوم الذي سينظر العالم كلّه إلى أبناء الإمام علي بن أبي طالبعليه السلام كيف يقتلعون باب خيبر ويحقّقون عزّاً لم يسبق للأمّة أن نالته.

الثاني: يتعلّق بالمحافظة على مكتسباتنا التي أنعم الله تعالى بها على مجتمعنا بفضل المقاومة. وهذا ما يتحقّق من خلال مقاومةٍ من نوع آخر ضدّ الحرب الناعمة التي يخوضها الأعداء مركِّزاً فيها على مجتمع المقاومة، لا سيّما شريحة الشباب الذين يشكِّلون العمود الفقري للمقاومة. حرب رصاصها حبوب مخدِّرات، وطائراتها صحون لاقطة لفساد تنشره في مجتمعنا، وهذا ما يجب أن نكون يقظين واعين متحمّلين للمسؤولية في أنفسنا وأبنائنا وإخوتنا وجيراننا وأصدقائنا ومدارسنا وجامعاتنا.

وأن نستعين لذلك كلّه بالدعاء لله تعالى.

اللهم عجِّل فرج وليِّك الأعظم واجعلنا من أنصاره ومن المستشهدين بين يديه،
اللهم احفظ وليّ أمرنا الإمام الخامنئي دام ظله حتى ظهور وليك،
اللهم احفظ سيد المقاومة وأعزَّه بعزَّك وسدِّده بتسديدك،
اللهم ارحم شهداءنا لا سيما السيِّد عباس والشيخ راغب والحاج عماد،
اللهم أعز مجاهدينا بعزِّك.
اللهم و ما ألممنا به في شهرنا هذا من لمم أو أثم، أو واقعنا فيه من ذنب واكتسبنا فيه من خطيئة على تعمد منا، أو على نسيان ظلمنا فيه أنفسنا، أو انتهكنا به حرمة من غيرنا، فصل على محمد وآله، واسترنا بسترك، واعف عنا بعفوك.

وبارك لنا في يوم عيد فطرنا واجعله من خير يوم مرَّ علينا أجلَبَه لعفو وأمحاه لذنب.

يا أكرم من رُغِبَ إليه وأكفى من توكّل عليه صلِّ على محمد وآل محمد وعجِّل فرجهم الشريف.


والحمد لله ربّ العالمين.

* سماحة الشيخ أكرم بركات

السبت، 27 يونيو 2015

مراقبة الجوارح في شهر رمضان

مراقبة الجوارح في شهر رمضان

((وتزودوا في شهر الله))
قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُول﴾1.

تعتبر الحواسّ من الألطاف الربانية والنعم الإلهية التي أنعم الله بها على الإنسان والتي لولاها لكانت الحياة شبه مستحيلة، إلّا أنّ هذه الحواسّ هي كذلك مسؤولية كبرى على عاتق الإنسان كما بيّن القرآن الكريم، فمن صانها وصقلها وأحسن استخدامها فيما أحلّ الله جعلها طريقاً إلى الجنة والرضوان، ومن تركها على هواها وألقى حبلها على غاربها قادته إلى العذاب والشقاء، ولذلك نجد أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد شدّد في خطبته الغرّاء في استقبال شهر رمضان على ضرورة تهذيب الجوارح سيّما اللسان، والعين، والأذن، من خلال الكلام الآثم والنظر المحرّم، والاستماع إلى المحرّمات، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "واحفظوا ألسنتكم، وغضّوا عمّا لا يحلّ النّظر إليه أبصاركم،وعمّا لا يحلّ الاستماع إليه أسماعكم"2.

وسنقتصر في الكلام هنا على المراقبات الخاصّة باللسان والبصر والسمع.

مراقبات اللسان

جاء في رسالة الحقوق: "وأمّا حقّ اللسان فإكرامه عن الخنى وتعويده على الخير وحمله على الأدب وإجمامه إلا لموضع الحاجة والمنفعة للدين والدنيا وإعفاؤه عن الفضول الشنعة القليلة الفائدة التي لايؤمن ضررها مع قلّة عائدتها، ويعد شاهد العقلوالدليل عليه وتزين العاقل بعقله حسن سيرته في لسانه ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".

واللسان من أكثر الأعضاء التي تحتاج إلى مراقبة وحذر سيّما خلال الشهر المبارك، والأصل الذي يجب اعتماده هو أصل السكوت والصمت، فالأصل في الإنسان الصمت وعدم الكلام إلا لحاجة، بخلاف ما يتوهّمه البعض من أنّ الإنسان يجب أن يتكلمفي كلّ شيء سواء فيما يعنيه أو ما لا يعنيه، بل ترى الكثيرين في مجتمعاتنا اليوم يتنافسون في المجالس على كثرة الكلام بعيداً عن نوع هذا الكلام وأهميته وحاجة المستمعين له ومناسبته للمقام والمقال ورغبة المستمعين بالسماع وإلى غير ذلك منالأمور التي يجب مراقبتها فيما نقوله ونتحدث به.

فالصمت نجاة وسلامة ووقار وحاجز دون الإثم والمعصية وخصلة من خصال الإيمان والورع والحكمة التي جعلها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أفضل أعمال الشهر.

مراقبات العين

قال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَ﴾3.

وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾4.

وجاء في رسالة الحقوق: "وأمّا حقّ البصر فغضُّه عمّا لا يحلّ لك، وتعتبر بالنظر به، وترك ابتذاله إلا لموضع عبرة تستقبل به بصراً أو تستفيد به علماً، فإنّ البصر باب الاعتبار"5.

ويبين الإمام السجّاد في هذا المقطع أموراً ثلاثة لا ينبغي للبصر أن يتجاوزها:

1- الغضّ عن الحرام: ونؤكّد هنا على بعض المحرّمات التي تبثّ عبر الشاشات وما تحويه من برامج خلاعية وماجنة وعبثية وما تعرضه المواقع الالكترونية من فساد وإظهار لمفاتن الجسد والمشاهد المثيرة والبذيئة التي تتنافى مع أبسط قواعدالحشمة والأخلاق.

كما يجب التنبيه على ضرورة مراعاة هذا الشهر الكريم في الإعلانات والدعايات والصور التي تعرض في الشوارع والتي تخالف عفَّة المجتمع وتقوّي الإغراءات وتساهم مساهمة كبرى في تدمير المجتمع.

2- جعل النظر وسيلة للإعتبار: أوليس كلّ ما في الوجود من السموات والأرضين والبحار والنجوم بل والمجرّات وأسرار الخلق في الإنسان والحيوان والنبات والجماد كله يقودك إلى عظمة هذا الخالق وكمال صفاته وضرورة السباحة في فلكه وإطلاق كمال العبودية له؟

3- الاستفادة منه في كسب العلوم والمعارف: وذلك من خلال المطالعة وقراءة الكتب والإصدارات النافعة وقراءة القرآن والأدعية والقيام بالأنشطة المناسبة لحرمة الشهر.

ومن المهمّ الإشارة إلى ما يمكن للمرء أن يستعين به على غضّ البصر كما دلّت على ذلك النصوص، فعن الإمام الصادق عليها السلام: "ما اعتصم أحد بمثل ما اعتصم بغض البصر، فإنّ البصر لا يغضَّ عن محارم الله إلا وقد سبق إلى قلبه مشاهدة العظمة والجلال"6.

وسئل أمير المؤمنين عليه السلام: "بمَ يستعان على غضّ البصر؟ فقال: "بالخمود تحت سلطان المطَّلع على سترك"7.

مراقبات السمع

قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾8.

وقال تعالى: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾9.

والسمع من أعظم النعم إن وعى المرء ما يسمع وفقه ما يدخل أذنيه، بل لعلّ الآية المتقدّمة جعلت السمع عدل العقل إن وعت القلوب، وأمّا مع غفلة القلوب فلا سبيل للهداية أبداً، وقال تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾10.

وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾11.

وهذا ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام: "فيا لها أمثالاً صائبة، ومواعظ شافية، لو صادفت قلوباً زاكية، وأسماعاً واعية"12.

وجاء في رسالة الحقوق: "وأمّا حقّ السمع فتنزيهه عن أن تجعله طريقاً إلى قلبك إلا لفوهة كريمة تحدث في قلبك خيراً أو تكسب خُلُقاً كريماً فإنه باب الكلام إلى القلب يؤدّي إليه ضروب المعاني على ما فيها من خير أو شرّ ولا قوّة إلا بالله"13.

ومن هنا فليراقب كلٌّ منا ما يسمع من قول، فإنّ المستمع للغِيبة شريك القائل والمستمع للموسيقى يُنبت النفاق في قلبه والمستمع للوشاية يُضعف لحمة المسلمين ناهيك عن التملّق والغشّ والأيمان الكاذبة وقول الزور والتنصّت على أسرار الناس وغير ذلك مما يدخل في الأسماع فيتحول وقراً على القلوب فيمنع من وعي ما سمعت أو تعقّل ما أدركت.

* كتاب وتزودوا في شهر الله، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- سورة الاسراء، الآية 36.
2- الأمالي، ص 154.
3- سورة النور، الآيتان 30 ـ 31 .
4- سورة غافر، الآية 19 .
5- شرح رسالة الحقوق، ص 145.
6- بحار الأنوار ، ج101 ، ص41 .
7- نفس المصدر .
8- سورة الملك، الآية 10.
9- سورة الحاقة، الآية 12.
10- سورة الأعراف، الآية 198.
11- سورة الأعراف، الآية 179.
12- نهج البلاغة، ج1، ص 137.
13- تحف العقول، ص 279.

الأبعاد المعنوية للصوم

الأبعاد المعنوية للصوم

((وتزودوا في شهر الله))
عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: قال الله عزّ وجلّ: "كلّ عمل ابن آدم له إلا الصيام فانه لي وأنا أجزي به"1.

لا شكّ أنّ عبادة الصوم من العبادات المتميزة من سواها من العبادات وإلا لما اختار الله لها أفضل الشهور على الإطلاق ليكون زماناً وظرفاً لأدائها، وهذا دأب الشرع في كثير من الأعياد والمناسبات بل وحتى بعض الزيارات والأفعال المستحبّة التيربطها الشرع بقضايا أساسية أراد لها الله أن تبقى خالدة وتبقى مدرسة مفتوحة تربي الأجيال على مر العصور والدهور، وباعتقادي أنّ العلاقة بين فريضة الصوم وشهر رمضان هي أنّ الصوم يكبح جماح المرء في الخطأ إلى الحدّ الأقصى، بينما يفتحشهر رمضان آفاق العمل الصالح إلى حدّه الأقصى فيرتقي المرء معارج الكمال كما لا يرتقيه في غيره من الشهور.


لو تأمّلنا مليًّا في هذا الحديث الشريف لظهر لنا جليًّا أنّ فيه ثلاثة أبعاد مهمة:

1- البعد السلوكي: والمراد به أنّ عبادة الصوم تختلف عن بقية العبادات في أنها عبادة ترك وامتناع وليست عبادة فعل وعمل، بمعنى أن جميع العبادات لا يستطيع الإنسان أن يؤديها من خلال أفعال ظاهرية يقوم بها ولا يستطيع أن يخفيها أو يكتمها،فالصلاة لها أفعالها التي يمارسها الإنسان ولها أثر خارجي، وكذا الزكاة وكذلك الحجّ ومناسكه، وكذا الأمربالمعروف والنهي عن المنكر.. إلى غير ذلك من سائر العبادات، أمّا الصوم فليس له مظهرخارجي، لأنه عبادة يعصم المرء نفسه عن جملة منالأمور، ولكنه لا يمارس أيّ فعل يُظهره أنه صائم، فقد أكون صائمًا سواء في شهر رمضان أو سواه من الشهور ولا يعلم أحد بأني صائم، وقد أكون مفطراً وأظهر أمام الناس أني صائم.

ومعنى أنه ليس للصوم مظهر خارجيّ يعني انه اتصال مباشر بالله بلا مظهر خارجيّ، ولا يطّلع على حقيقة هذا الصوم وجوهره إلا الله سبحانه وتعالى، فهذه الخصوصية في الصوم تدلُّ على تربية الإنسان على أن تكون نيته خالصة لوجه الله في جميعالعبادات انطلاقاً من عبادة الصوم المكتومة. فالصوم سرّ من أسرار الإخلاص لله تعالى، لأنه سِرُّ بَيْن العبدِ وربِّه لا يطَّلعُ عليه إلاّ الله. فإِن الصائمَ إذا ابتعد عن أعين الناس يتمكّن منْ تناوُلِ ما حرَّم الله عليه بالصيام، فلا يتناولُهُ ، لأنه يعلم أن له ربّاًيطَّلع عليه في خلوتِه، وقد حرَّم عَلَيْه ذلك، فيترُكُه لله خوفاً من عقابه، ورغبةً في ثوابه، فمن أجل ذلك كان الصوم باباً إلى الإخلاص وبالتالي فقد شكر اللهُ له هذا الإِخلاصَ، واعتبر هذه الفريضة مختصةً به فصيامُه لنفْسِه من بين سَائِرِ أعمالِهِ ولهذا قال: "يَدَعُ شهوتَه وطعامَه من أجْلي"2.

2- البعد الجزائي: أي ما يرتبط بالثواب، فلمّا كانت فريضة الصوم عبادة مكتومة بين العبد وربّه كان ثواب الصوم مكتوماً أيضاً إذ إننا لا نجد في النصوص ما يحدّد ثواب الصوم وحسناته ودرجته ومقدار الجزاء الذي يستحقه كما نرى ذلك في بقيةالعبادات، لأن الله استأثرَ ذلك له تشويقاً لعباده على الصوم. فإن الله قال في الصوم: (وأَنَا أجْزي به)3 فأضافَ الجزاءَ إلى نفسه الكريمةِ، لأنَّ الأعمالَ الصالحةَ يضاعفُ أجرها بالْعَدد، فالحسنةُ بعَشْرِ أمثالها إلى سَبْعِمائة ضعفٍ إلى أضعاف كثيرةٍ، أمَّا الصَّوم فإِنَّ اللهَ أضافَ الجزاءَ عليه إلى نفسه من غير اعتبَار عَددٍ، وهُوَ سبحانه أكرَمُ الأكرمين وأجوَدُ الأجودين، والعطيَّةُ بقدر مُعْطيها. فيكُونُ أجرُ الصائمِ عظيماً كثيراً بِلاَ حساب. والصيامُ صبْرٌ على طاعةِ الله، وصبرٌ عن مَحارِم الله،وصَبْرٌ على أقْدَارِ الله المؤلمة مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ وضعفِ البَدَنِ والنَّفْسِ، فَقَدِ اجْتمعتْ فيه أنْواعُ الصبر الثلاثةُ، وَتحقَّقَ أن يكون الصائمُ من الصابِرِين. وقَدْ قَالَ الله تَعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾4.

3- البعد الفعلي: ومعناه أداء هذه الفريضة على حقيقتها ووفق الصورة الباطنية التي رسمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فليس كلّ صوم صوماً يقرّبك من الله ولا كلّ قيام قياماً خالصاً لوجهه الكريم، ولذلك نقرأ في الدعاء في أوّل يوم من رمضان… "اللهمّ اجعل صيامي فيه صيام الصائمين وقيامي فيه قيام القائمين ونبهني فيه من نومة الغافلين"5.

ولو سأل سائل كيف يكون الصيام كصيام الصائمين والقيام كقيام القائمين لكان الجواب ماقاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لجابر بن عبد الله: "يا جابر، هذا شهر رمضان من صام نهاره وقام ورداً من ليله وعفّ بطنه وفرجه وكفّ لسانه خرج من ذنوبه كخروجه من الشهر"6.

فالصوم في حقيقته مدرسة تربوية تعيد بناء الداخل من جديد لتصنع باطن الإنسان وتُصفّي سريرته وتنقّي قلبه وتجعله أكثر تذكّراً للآخرة وشعوراً بأهوالها وعقباتها، وهذا معنى الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "للصائم فرحتان، فرحة عند إفطاره،وفرحة يوم يلقى ربه"7.

فهي فرحة الانتصار على العدوّ الداخلي والسموّ في معارج الكمال وإلا لما جعل الله هذه الفرحة موازيةً لفرحة لقائه، وبالتالي فإنّ جعلها في كفتي ميزانه تعالى في مقابل لقائه ينسجم مع كون فرحة لقائه تعادل فرحة الانتصار على الشيطان.

وفي النهاية نختم بالحديث الذي يجب أن نتذكّره دائماً خلال أداء هذه الفريضة والمروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ألا أخبركم بشيء إن أنتم فعلتموه تباعد الشيطان منكم كما تباعد المشرق من المغرب؟ قالوا: بلى. قال: الصوم يسوِّد وجهه، والصدقة تكسر ظهره، والحبّ في الله والموازرة على العمل الصالح يقطعان دابره، والاستغفار يقطع وتينه"8.

قصة وعبرة

ومن أجمل المواقف التي من خلالها يتطلّع الإنسان إلى قيمة هذه الدعوة موقف الأعرابيّ مع الحجّاج الذي بين الأعرابي من خلاله للحجّاج أنّ الصوم دعوة إلهية فقد خرج الحجّاج ذات يوم قائظ فأُحضر له الغداء فقال: اطلبوا من يتغدَّى معنا، فطلبوا فلم يجدوا إلا أعرابيًّا، فأتوا به فدار بين الحجّاج والأعرابي هذا الحوار.
الحجّاج: هلمّ أيها الأعرابّي لنتناول طعام الغداء.
الأعرابيّ: قد دعاني من هو أكرم منك فأجبته.
الحجّاج: من هو؟
الأعرابي: الله تبارك وتعالى دعاني إلى الصيام فأنا صائم.
الحجّاج: أَصَوْمٌ في مثل هذا اليوم على حرّه؟
الأعرابيّ: صمتُ ليوم أشدّ منه حرّاً.
الحجّاج: أفطر اليوم وصُمْ غداً.
الأعرابيّ: أَوَ يضمن الأمير أن أعيش إلى الغد ؟
الحجّاج: ليس ذلك إليّ، فعلم ذلك عند الله.
الأعرابيّ: فكيف تسألني عاجلاً بآجل ليس إليه من سبيل.
الحجّاج: إنه طعام طيّب.
الأعرابيّ: والله ما طيّبه خبّازك وطبّاخك، ولكن طيَّبته العافية9.

* كتاب وتزودوا في شهر الله، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- الوسائل، ج10، ص404.
2- كنز العمال، ج8، ص448.
3- كنز العمال، ج8، ص448.
4- سورة الزمر، الآية 10.
5- المصباح، ص 613.
6- مشارق الشموس، المحقق الخوانساري، ج 2، ص 436.
7- الكافي، ج4، ص65.
8- الكافي، ج4، ص62.
9- شرح نهج البلاغة، ج6، ص 235.



الصيام والتقوى

الصيام والتقوى

((وتزودوا في شهر الله))
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾1.

من الواضح من خلال الآية المتقدّمة أنّ الله جعل الصيام مقدّمةً وطريقاً لبلوغ التقوى، وهذا كاشف عن عظمة هذه الفريضة من خلال عظمة الثمرة التي نجنيها والمعلول الذي تحققه هذه العلّة، لكنّ الأهمّ في الآية أنها لا تحدّثنا عن التقوى في بعدها الفرديّبل عن التقوى في بعدها المجتمعيّ، فهي عبادة يقوم بها المسلمون معاً في شهرٍ واحد وفي فترة محدّدة للجميع بين السحور والإفطار لتنتج في النهاية مجتمعاً تقياً ورعاً مراقباً لأعماله وأقواله في كلّ كبيرةٍ وصغيرة، ولا يخفى أنّ التقوى التي يحرزهاالمجتمع وعموم المسلمين لها آثارها وبركاتها وألطافها التي لا تعد ولا تُحصى على جميع أفراد المجتمع.

والتقوى التي نرجوها من عبادة الصوم هي تلك الملكة التي تجعل صاحبها في حالة من الرقابة المستمرّة والدائمة لكلّ ما يصدر عنه صغيراً كان أو كبيراً، فيكون من آثارها أنها تعصمه عن الخطأ والمعصية والرذيلة.

فالتقوى في بعدها العمليّ هي هذا الاحتراز والحذر الدائم واليقظة المتواصلة، ولذلك فإنّ علماء الأخلاق جعلوا الغفلة وعدم التبصّر في الأشياء على الحدّ المقابل للتقوى.

علاقة الصيام بالتقوى

ويساهم الصيام بصناعة التقوى - كلٌّ بحسبه - بمعناها المتقدم سواء على المستوى الفرديّ أو المجتمعيّ، ونخصّ بالذكر هنا النقاط التالية:

1- السيطرة على الأهواء في شهر رمضان حيث الأجواء أكثر إتاحة والراحل إليه قريب المسافة، والانتصار في معركة الجهاد الأكبر في لحظةٍ أيدي الشياطين مغلولة وأبواب النيران مغلقة أكبر أملاً وفرصةً، فالصوم يساهم في الفوز في هذه المعركةالتي هي حقيقة التقوى.

2- الربط بين أهوال يوم القيامة والجوع والعطش، وإلا فماذا ينتفع الصائم بصومه ما لم يتذكّر أهوال يوم القيامة، وما لم يكن هذا التذكّر معبراً لفعل الخيرات والإحجام عن الأفعال التي نهى الله عنها؟

بل إنّ هذا الجوع والعطش كما تشير الروايات ليس سوى حالة ظاهرية تقودك إلى ما هو أبعد من ذلك من الأبعاد النفسية والروحية.

3- إنّ الأداء الجماعيّ لهذه الفريضة يترك أثراً بالغاً في النفس، فتماماً كما أنّ الجو الجماعيّ للمعصية يشجّع المرء على استسهال ارتكابها ويخفّف في نفسه الورع والاجتناب عنها فكذلك فإنّ الجوّ الجماعيّ للعبادة يساهم في تقوية أدائها بأفضلصورها، فالإنسان بطبعه لا يأنس بفعلٍ ينفرد به أو لا يتفق مع الآخرين عليه، أمّا في الصوم فالجميع متساوون في هذا الجوع والعطش، وبالتالي فسوف يتضاعف سعي الإنسان لاغتنام فرصة أداء هذه الفريضة على مستواه الباطنيّ ودون الاقتصارعلى الظاهر.

الآثار المترتبة على التقوى.

التقوى في حقيقتها لها آثارمتعددة لكن يمكن اختصارها بمقام الولاية الحقّة لله تعالى، بحيث لا يكون بينه وبين الله حجاب، ويصبح مولى لله تعالى، والله وليه، والقرآن الكريم أبان الآثار المترتبة على التقوى نذكر أهمّها:

الأول: الفوز يوم القيامة: قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾2. فالصوم باب إلى التقوى التي بدورها باب لتكفير السيئات والفوز بجنات النعيم في الآخرة.

الثاني: التقوى غاية العبادة: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾3. فالتقوى التي جعلها الله غاية العبادات جعلها في مكانٍ آخر غاية الصيام، وهذا يعني أنّ عبادة الصوم من العبادات الاستثنائية على مستوى صناعة باطن الإنسان وبناء سريرته وتخليصه من شوائب ما علق على أطراف قلبه ونفسه.

الثالث: البشرى في الدنيا والآخرة: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾4.

فالتقوى بصريح القرآن نعيم في الدنيا والآخرة، وقد استخدم الله التعبير نفسه في الدنيا والآخرة وهو (البشرى) ليدلّل على عظيم البركات لهذه المنقبة والتي أطلق الله على مجموعهما تعبير (الفوز العظيم)، وهل بعد ذلك مقام وشأن ورفعة يبلغها المرء ببركة الصيام؟

الرابعة: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾5: وهذا من أعظم بركات التقوى حين تصبح هذه الأعمال مقبولةً عند الله فلا يستصغر الإنسان عملاً بعد قبوله ولا يمتنع أو يتلكّأ عن عملٍ ما دام مقبولاً، وهذا من أكبر الغايات التي ننشدها جميعاً في أعمالنا التيننظر إليها دائماً بعين الخوف من أن تكون غير محرزة لرضى الله وقبوله.

الخامس: العناية الإلهية: فالإنسان التقيّ يبقى في عين الله بحيث لا تُسد عليه كافّة أبواب حياته المادية والمعنوية، فيُهيِّئ الله تعالى له المخارج من حيث لا يحسب وييسّر له أبواب الرزق من حيث لا يحتسب، قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرً﴾6.

* كتاب وتزودوا في شهر الله، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- سورة البقرة، الآية 183.
2- سورة المائدة، الآية 65.
3- سورة البقرة، الآية 21.
4- سورة يونس، الآيتان 63 ـ 64.
5- سورة المائدة، الآية 27.
6- سورة الطلاق، الآيتان 2 ـ 3.

أهل البيت لغة وعرفاً

أهل البيت لغة وعرفاً هذا اللفظ مركب من كلمتين ولكل مفهوم، ويمكن تحديد مفهوم "الاَهل" من موارد استعماله فيقال: 1- أهل الاَمر وا...