السبت، 27 يونيو 2015

مراقبة الجوارح في شهر رمضان

مراقبة الجوارح في شهر رمضان

((وتزودوا في شهر الله))
قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُول﴾1.

تعتبر الحواسّ من الألطاف الربانية والنعم الإلهية التي أنعم الله بها على الإنسان والتي لولاها لكانت الحياة شبه مستحيلة، إلّا أنّ هذه الحواسّ هي كذلك مسؤولية كبرى على عاتق الإنسان كما بيّن القرآن الكريم، فمن صانها وصقلها وأحسن استخدامها فيما أحلّ الله جعلها طريقاً إلى الجنة والرضوان، ومن تركها على هواها وألقى حبلها على غاربها قادته إلى العذاب والشقاء، ولذلك نجد أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد شدّد في خطبته الغرّاء في استقبال شهر رمضان على ضرورة تهذيب الجوارح سيّما اللسان، والعين، والأذن، من خلال الكلام الآثم والنظر المحرّم، والاستماع إلى المحرّمات، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "واحفظوا ألسنتكم، وغضّوا عمّا لا يحلّ النّظر إليه أبصاركم،وعمّا لا يحلّ الاستماع إليه أسماعكم"2.

وسنقتصر في الكلام هنا على المراقبات الخاصّة باللسان والبصر والسمع.

مراقبات اللسان

جاء في رسالة الحقوق: "وأمّا حقّ اللسان فإكرامه عن الخنى وتعويده على الخير وحمله على الأدب وإجمامه إلا لموضع الحاجة والمنفعة للدين والدنيا وإعفاؤه عن الفضول الشنعة القليلة الفائدة التي لايؤمن ضررها مع قلّة عائدتها، ويعد شاهد العقلوالدليل عليه وتزين العاقل بعقله حسن سيرته في لسانه ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".

واللسان من أكثر الأعضاء التي تحتاج إلى مراقبة وحذر سيّما خلال الشهر المبارك، والأصل الذي يجب اعتماده هو أصل السكوت والصمت، فالأصل في الإنسان الصمت وعدم الكلام إلا لحاجة، بخلاف ما يتوهّمه البعض من أنّ الإنسان يجب أن يتكلمفي كلّ شيء سواء فيما يعنيه أو ما لا يعنيه، بل ترى الكثيرين في مجتمعاتنا اليوم يتنافسون في المجالس على كثرة الكلام بعيداً عن نوع هذا الكلام وأهميته وحاجة المستمعين له ومناسبته للمقام والمقال ورغبة المستمعين بالسماع وإلى غير ذلك منالأمور التي يجب مراقبتها فيما نقوله ونتحدث به.

فالصمت نجاة وسلامة ووقار وحاجز دون الإثم والمعصية وخصلة من خصال الإيمان والورع والحكمة التي جعلها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أفضل أعمال الشهر.

مراقبات العين

قال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَ﴾3.

وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾4.

وجاء في رسالة الحقوق: "وأمّا حقّ البصر فغضُّه عمّا لا يحلّ لك، وتعتبر بالنظر به، وترك ابتذاله إلا لموضع عبرة تستقبل به بصراً أو تستفيد به علماً، فإنّ البصر باب الاعتبار"5.

ويبين الإمام السجّاد في هذا المقطع أموراً ثلاثة لا ينبغي للبصر أن يتجاوزها:

1- الغضّ عن الحرام: ونؤكّد هنا على بعض المحرّمات التي تبثّ عبر الشاشات وما تحويه من برامج خلاعية وماجنة وعبثية وما تعرضه المواقع الالكترونية من فساد وإظهار لمفاتن الجسد والمشاهد المثيرة والبذيئة التي تتنافى مع أبسط قواعدالحشمة والأخلاق.

كما يجب التنبيه على ضرورة مراعاة هذا الشهر الكريم في الإعلانات والدعايات والصور التي تعرض في الشوارع والتي تخالف عفَّة المجتمع وتقوّي الإغراءات وتساهم مساهمة كبرى في تدمير المجتمع.

2- جعل النظر وسيلة للإعتبار: أوليس كلّ ما في الوجود من السموات والأرضين والبحار والنجوم بل والمجرّات وأسرار الخلق في الإنسان والحيوان والنبات والجماد كله يقودك إلى عظمة هذا الخالق وكمال صفاته وضرورة السباحة في فلكه وإطلاق كمال العبودية له؟

3- الاستفادة منه في كسب العلوم والمعارف: وذلك من خلال المطالعة وقراءة الكتب والإصدارات النافعة وقراءة القرآن والأدعية والقيام بالأنشطة المناسبة لحرمة الشهر.

ومن المهمّ الإشارة إلى ما يمكن للمرء أن يستعين به على غضّ البصر كما دلّت على ذلك النصوص، فعن الإمام الصادق عليها السلام: "ما اعتصم أحد بمثل ما اعتصم بغض البصر، فإنّ البصر لا يغضَّ عن محارم الله إلا وقد سبق إلى قلبه مشاهدة العظمة والجلال"6.

وسئل أمير المؤمنين عليه السلام: "بمَ يستعان على غضّ البصر؟ فقال: "بالخمود تحت سلطان المطَّلع على سترك"7.

مراقبات السمع

قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾8.

وقال تعالى: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾9.

والسمع من أعظم النعم إن وعى المرء ما يسمع وفقه ما يدخل أذنيه، بل لعلّ الآية المتقدّمة جعلت السمع عدل العقل إن وعت القلوب، وأمّا مع غفلة القلوب فلا سبيل للهداية أبداً، وقال تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾10.

وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾11.

وهذا ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام: "فيا لها أمثالاً صائبة، ومواعظ شافية، لو صادفت قلوباً زاكية، وأسماعاً واعية"12.

وجاء في رسالة الحقوق: "وأمّا حقّ السمع فتنزيهه عن أن تجعله طريقاً إلى قلبك إلا لفوهة كريمة تحدث في قلبك خيراً أو تكسب خُلُقاً كريماً فإنه باب الكلام إلى القلب يؤدّي إليه ضروب المعاني على ما فيها من خير أو شرّ ولا قوّة إلا بالله"13.

ومن هنا فليراقب كلٌّ منا ما يسمع من قول، فإنّ المستمع للغِيبة شريك القائل والمستمع للموسيقى يُنبت النفاق في قلبه والمستمع للوشاية يُضعف لحمة المسلمين ناهيك عن التملّق والغشّ والأيمان الكاذبة وقول الزور والتنصّت على أسرار الناس وغير ذلك مما يدخل في الأسماع فيتحول وقراً على القلوب فيمنع من وعي ما سمعت أو تعقّل ما أدركت.

* كتاب وتزودوا في شهر الله، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- سورة الاسراء، الآية 36.
2- الأمالي، ص 154.
3- سورة النور، الآيتان 30 ـ 31 .
4- سورة غافر، الآية 19 .
5- شرح رسالة الحقوق، ص 145.
6- بحار الأنوار ، ج101 ، ص41 .
7- نفس المصدر .
8- سورة الملك، الآية 10.
9- سورة الحاقة، الآية 12.
10- سورة الأعراف، الآية 198.
11- سورة الأعراف، الآية 179.
12- نهج البلاغة، ج1، ص 137.
13- تحف العقول، ص 279.

الأبعاد المعنوية للصوم

الأبعاد المعنوية للصوم

((وتزودوا في شهر الله))
عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: قال الله عزّ وجلّ: "كلّ عمل ابن آدم له إلا الصيام فانه لي وأنا أجزي به"1.

لا شكّ أنّ عبادة الصوم من العبادات المتميزة من سواها من العبادات وإلا لما اختار الله لها أفضل الشهور على الإطلاق ليكون زماناً وظرفاً لأدائها، وهذا دأب الشرع في كثير من الأعياد والمناسبات بل وحتى بعض الزيارات والأفعال المستحبّة التيربطها الشرع بقضايا أساسية أراد لها الله أن تبقى خالدة وتبقى مدرسة مفتوحة تربي الأجيال على مر العصور والدهور، وباعتقادي أنّ العلاقة بين فريضة الصوم وشهر رمضان هي أنّ الصوم يكبح جماح المرء في الخطأ إلى الحدّ الأقصى، بينما يفتحشهر رمضان آفاق العمل الصالح إلى حدّه الأقصى فيرتقي المرء معارج الكمال كما لا يرتقيه في غيره من الشهور.


لو تأمّلنا مليًّا في هذا الحديث الشريف لظهر لنا جليًّا أنّ فيه ثلاثة أبعاد مهمة:

1- البعد السلوكي: والمراد به أنّ عبادة الصوم تختلف عن بقية العبادات في أنها عبادة ترك وامتناع وليست عبادة فعل وعمل، بمعنى أن جميع العبادات لا يستطيع الإنسان أن يؤديها من خلال أفعال ظاهرية يقوم بها ولا يستطيع أن يخفيها أو يكتمها،فالصلاة لها أفعالها التي يمارسها الإنسان ولها أثر خارجي، وكذا الزكاة وكذلك الحجّ ومناسكه، وكذا الأمربالمعروف والنهي عن المنكر.. إلى غير ذلك من سائر العبادات، أمّا الصوم فليس له مظهرخارجي، لأنه عبادة يعصم المرء نفسه عن جملة منالأمور، ولكنه لا يمارس أيّ فعل يُظهره أنه صائم، فقد أكون صائمًا سواء في شهر رمضان أو سواه من الشهور ولا يعلم أحد بأني صائم، وقد أكون مفطراً وأظهر أمام الناس أني صائم.

ومعنى أنه ليس للصوم مظهر خارجيّ يعني انه اتصال مباشر بالله بلا مظهر خارجيّ، ولا يطّلع على حقيقة هذا الصوم وجوهره إلا الله سبحانه وتعالى، فهذه الخصوصية في الصوم تدلُّ على تربية الإنسان على أن تكون نيته خالصة لوجه الله في جميعالعبادات انطلاقاً من عبادة الصوم المكتومة. فالصوم سرّ من أسرار الإخلاص لله تعالى، لأنه سِرُّ بَيْن العبدِ وربِّه لا يطَّلعُ عليه إلاّ الله. فإِن الصائمَ إذا ابتعد عن أعين الناس يتمكّن منْ تناوُلِ ما حرَّم الله عليه بالصيام، فلا يتناولُهُ ، لأنه يعلم أن له ربّاًيطَّلع عليه في خلوتِه، وقد حرَّم عَلَيْه ذلك، فيترُكُه لله خوفاً من عقابه، ورغبةً في ثوابه، فمن أجل ذلك كان الصوم باباً إلى الإخلاص وبالتالي فقد شكر اللهُ له هذا الإِخلاصَ، واعتبر هذه الفريضة مختصةً به فصيامُه لنفْسِه من بين سَائِرِ أعمالِهِ ولهذا قال: "يَدَعُ شهوتَه وطعامَه من أجْلي"2.

2- البعد الجزائي: أي ما يرتبط بالثواب، فلمّا كانت فريضة الصوم عبادة مكتومة بين العبد وربّه كان ثواب الصوم مكتوماً أيضاً إذ إننا لا نجد في النصوص ما يحدّد ثواب الصوم وحسناته ودرجته ومقدار الجزاء الذي يستحقه كما نرى ذلك في بقيةالعبادات، لأن الله استأثرَ ذلك له تشويقاً لعباده على الصوم. فإن الله قال في الصوم: (وأَنَا أجْزي به)3 فأضافَ الجزاءَ إلى نفسه الكريمةِ، لأنَّ الأعمالَ الصالحةَ يضاعفُ أجرها بالْعَدد، فالحسنةُ بعَشْرِ أمثالها إلى سَبْعِمائة ضعفٍ إلى أضعاف كثيرةٍ، أمَّا الصَّوم فإِنَّ اللهَ أضافَ الجزاءَ عليه إلى نفسه من غير اعتبَار عَددٍ، وهُوَ سبحانه أكرَمُ الأكرمين وأجوَدُ الأجودين، والعطيَّةُ بقدر مُعْطيها. فيكُونُ أجرُ الصائمِ عظيماً كثيراً بِلاَ حساب. والصيامُ صبْرٌ على طاعةِ الله، وصبرٌ عن مَحارِم الله،وصَبْرٌ على أقْدَارِ الله المؤلمة مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ وضعفِ البَدَنِ والنَّفْسِ، فَقَدِ اجْتمعتْ فيه أنْواعُ الصبر الثلاثةُ، وَتحقَّقَ أن يكون الصائمُ من الصابِرِين. وقَدْ قَالَ الله تَعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾4.

3- البعد الفعلي: ومعناه أداء هذه الفريضة على حقيقتها ووفق الصورة الباطنية التي رسمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فليس كلّ صوم صوماً يقرّبك من الله ولا كلّ قيام قياماً خالصاً لوجهه الكريم، ولذلك نقرأ في الدعاء في أوّل يوم من رمضان… "اللهمّ اجعل صيامي فيه صيام الصائمين وقيامي فيه قيام القائمين ونبهني فيه من نومة الغافلين"5.

ولو سأل سائل كيف يكون الصيام كصيام الصائمين والقيام كقيام القائمين لكان الجواب ماقاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لجابر بن عبد الله: "يا جابر، هذا شهر رمضان من صام نهاره وقام ورداً من ليله وعفّ بطنه وفرجه وكفّ لسانه خرج من ذنوبه كخروجه من الشهر"6.

فالصوم في حقيقته مدرسة تربوية تعيد بناء الداخل من جديد لتصنع باطن الإنسان وتُصفّي سريرته وتنقّي قلبه وتجعله أكثر تذكّراً للآخرة وشعوراً بأهوالها وعقباتها، وهذا معنى الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "للصائم فرحتان، فرحة عند إفطاره،وفرحة يوم يلقى ربه"7.

فهي فرحة الانتصار على العدوّ الداخلي والسموّ في معارج الكمال وإلا لما جعل الله هذه الفرحة موازيةً لفرحة لقائه، وبالتالي فإنّ جعلها في كفتي ميزانه تعالى في مقابل لقائه ينسجم مع كون فرحة لقائه تعادل فرحة الانتصار على الشيطان.

وفي النهاية نختم بالحديث الذي يجب أن نتذكّره دائماً خلال أداء هذه الفريضة والمروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ألا أخبركم بشيء إن أنتم فعلتموه تباعد الشيطان منكم كما تباعد المشرق من المغرب؟ قالوا: بلى. قال: الصوم يسوِّد وجهه، والصدقة تكسر ظهره، والحبّ في الله والموازرة على العمل الصالح يقطعان دابره، والاستغفار يقطع وتينه"8.

قصة وعبرة

ومن أجمل المواقف التي من خلالها يتطلّع الإنسان إلى قيمة هذه الدعوة موقف الأعرابيّ مع الحجّاج الذي بين الأعرابي من خلاله للحجّاج أنّ الصوم دعوة إلهية فقد خرج الحجّاج ذات يوم قائظ فأُحضر له الغداء فقال: اطلبوا من يتغدَّى معنا، فطلبوا فلم يجدوا إلا أعرابيًّا، فأتوا به فدار بين الحجّاج والأعرابي هذا الحوار.
الحجّاج: هلمّ أيها الأعرابّي لنتناول طعام الغداء.
الأعرابيّ: قد دعاني من هو أكرم منك فأجبته.
الحجّاج: من هو؟
الأعرابي: الله تبارك وتعالى دعاني إلى الصيام فأنا صائم.
الحجّاج: أَصَوْمٌ في مثل هذا اليوم على حرّه؟
الأعرابيّ: صمتُ ليوم أشدّ منه حرّاً.
الحجّاج: أفطر اليوم وصُمْ غداً.
الأعرابيّ: أَوَ يضمن الأمير أن أعيش إلى الغد ؟
الحجّاج: ليس ذلك إليّ، فعلم ذلك عند الله.
الأعرابيّ: فكيف تسألني عاجلاً بآجل ليس إليه من سبيل.
الحجّاج: إنه طعام طيّب.
الأعرابيّ: والله ما طيّبه خبّازك وطبّاخك، ولكن طيَّبته العافية9.

* كتاب وتزودوا في شهر الله، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- الوسائل، ج10، ص404.
2- كنز العمال، ج8، ص448.
3- كنز العمال، ج8، ص448.
4- سورة الزمر، الآية 10.
5- المصباح، ص 613.
6- مشارق الشموس، المحقق الخوانساري، ج 2، ص 436.
7- الكافي، ج4، ص65.
8- الكافي، ج4، ص62.
9- شرح نهج البلاغة، ج6، ص 235.



الصيام والتقوى

الصيام والتقوى

((وتزودوا في شهر الله))
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾1.

من الواضح من خلال الآية المتقدّمة أنّ الله جعل الصيام مقدّمةً وطريقاً لبلوغ التقوى، وهذا كاشف عن عظمة هذه الفريضة من خلال عظمة الثمرة التي نجنيها والمعلول الذي تحققه هذه العلّة، لكنّ الأهمّ في الآية أنها لا تحدّثنا عن التقوى في بعدها الفرديّبل عن التقوى في بعدها المجتمعيّ، فهي عبادة يقوم بها المسلمون معاً في شهرٍ واحد وفي فترة محدّدة للجميع بين السحور والإفطار لتنتج في النهاية مجتمعاً تقياً ورعاً مراقباً لأعماله وأقواله في كلّ كبيرةٍ وصغيرة، ولا يخفى أنّ التقوى التي يحرزهاالمجتمع وعموم المسلمين لها آثارها وبركاتها وألطافها التي لا تعد ولا تُحصى على جميع أفراد المجتمع.

والتقوى التي نرجوها من عبادة الصوم هي تلك الملكة التي تجعل صاحبها في حالة من الرقابة المستمرّة والدائمة لكلّ ما يصدر عنه صغيراً كان أو كبيراً، فيكون من آثارها أنها تعصمه عن الخطأ والمعصية والرذيلة.

فالتقوى في بعدها العمليّ هي هذا الاحتراز والحذر الدائم واليقظة المتواصلة، ولذلك فإنّ علماء الأخلاق جعلوا الغفلة وعدم التبصّر في الأشياء على الحدّ المقابل للتقوى.

علاقة الصيام بالتقوى

ويساهم الصيام بصناعة التقوى - كلٌّ بحسبه - بمعناها المتقدم سواء على المستوى الفرديّ أو المجتمعيّ، ونخصّ بالذكر هنا النقاط التالية:

1- السيطرة على الأهواء في شهر رمضان حيث الأجواء أكثر إتاحة والراحل إليه قريب المسافة، والانتصار في معركة الجهاد الأكبر في لحظةٍ أيدي الشياطين مغلولة وأبواب النيران مغلقة أكبر أملاً وفرصةً، فالصوم يساهم في الفوز في هذه المعركةالتي هي حقيقة التقوى.

2- الربط بين أهوال يوم القيامة والجوع والعطش، وإلا فماذا ينتفع الصائم بصومه ما لم يتذكّر أهوال يوم القيامة، وما لم يكن هذا التذكّر معبراً لفعل الخيرات والإحجام عن الأفعال التي نهى الله عنها؟

بل إنّ هذا الجوع والعطش كما تشير الروايات ليس سوى حالة ظاهرية تقودك إلى ما هو أبعد من ذلك من الأبعاد النفسية والروحية.

3- إنّ الأداء الجماعيّ لهذه الفريضة يترك أثراً بالغاً في النفس، فتماماً كما أنّ الجو الجماعيّ للمعصية يشجّع المرء على استسهال ارتكابها ويخفّف في نفسه الورع والاجتناب عنها فكذلك فإنّ الجوّ الجماعيّ للعبادة يساهم في تقوية أدائها بأفضلصورها، فالإنسان بطبعه لا يأنس بفعلٍ ينفرد به أو لا يتفق مع الآخرين عليه، أمّا في الصوم فالجميع متساوون في هذا الجوع والعطش، وبالتالي فسوف يتضاعف سعي الإنسان لاغتنام فرصة أداء هذه الفريضة على مستواه الباطنيّ ودون الاقتصارعلى الظاهر.

الآثار المترتبة على التقوى.

التقوى في حقيقتها لها آثارمتعددة لكن يمكن اختصارها بمقام الولاية الحقّة لله تعالى، بحيث لا يكون بينه وبين الله حجاب، ويصبح مولى لله تعالى، والله وليه، والقرآن الكريم أبان الآثار المترتبة على التقوى نذكر أهمّها:

الأول: الفوز يوم القيامة: قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾2. فالصوم باب إلى التقوى التي بدورها باب لتكفير السيئات والفوز بجنات النعيم في الآخرة.

الثاني: التقوى غاية العبادة: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾3. فالتقوى التي جعلها الله غاية العبادات جعلها في مكانٍ آخر غاية الصيام، وهذا يعني أنّ عبادة الصوم من العبادات الاستثنائية على مستوى صناعة باطن الإنسان وبناء سريرته وتخليصه من شوائب ما علق على أطراف قلبه ونفسه.

الثالث: البشرى في الدنيا والآخرة: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾4.

فالتقوى بصريح القرآن نعيم في الدنيا والآخرة، وقد استخدم الله التعبير نفسه في الدنيا والآخرة وهو (البشرى) ليدلّل على عظيم البركات لهذه المنقبة والتي أطلق الله على مجموعهما تعبير (الفوز العظيم)، وهل بعد ذلك مقام وشأن ورفعة يبلغها المرء ببركة الصيام؟

الرابعة: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾5: وهذا من أعظم بركات التقوى حين تصبح هذه الأعمال مقبولةً عند الله فلا يستصغر الإنسان عملاً بعد قبوله ولا يمتنع أو يتلكّأ عن عملٍ ما دام مقبولاً، وهذا من أكبر الغايات التي ننشدها جميعاً في أعمالنا التيننظر إليها دائماً بعين الخوف من أن تكون غير محرزة لرضى الله وقبوله.

الخامس: العناية الإلهية: فالإنسان التقيّ يبقى في عين الله بحيث لا تُسد عليه كافّة أبواب حياته المادية والمعنوية، فيُهيِّئ الله تعالى له المخارج من حيث لا يحسب وييسّر له أبواب الرزق من حيث لا يحتسب، قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرً﴾6.

* كتاب وتزودوا في شهر الله، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- سورة البقرة، الآية 183.
2- سورة المائدة، الآية 65.
3- سورة البقرة، الآية 21.
4- سورة يونس، الآيتان 63 ـ 64.
5- سورة المائدة، الآية 27.
6- سورة الطلاق، الآيتان 2 ـ 3.

الورع عن محارم الله

الورع عن محارم الله

((وتزودوا في شهر الله))
... فسأله أمير المؤمنين عليه السلام: "ما أفضل الأعمال في هذا الشهر؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: يا أبا الحسن، أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله عزّ وجلّ"1.

من أهمّ المراقبات التي ينبغي أن نوليها اهتماماً خاصّاً في شهر رمضان مسألة الورع والإحجام عن المحرّمات لما له من أهمية خاصّة، إذ اتفق علماء الأخلاق أنّ التخلية بما تعني اجتناب النفس للرذائل والمحرّمات تعتبر أساساً للبناء الأخلاقي التي سُيقامعلى أرض النفس الإنسانية، وبالتالي فإنّ الورع بما يعني الملكة أو الحالة النفسية التي تعصم صاحبها عن الدخول في الشبهات والمحرّمات بل تتعداها إلى بعض المباحات من الطبيعي أن تشكل العمود الفقريّ لحالة التخلية الأخلاقية، ولذلك اعتبرتالروايات الشريفة أنّ الورع أساس الدين وشيمة المخلصين ومصلح النفوس والأديان وعمارة العلم حتى ورد عن الإمام علي عليه السلام: "ورع الرجل على قدر دينه"2.

دور الورع في العبادة

وقد أكَّدت الروايات الشريفة الأخرى أولوية الورع عن محارم الله على غيره من الأعمال، فعن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "تَرْكُ لقمة الحرام أحبّ إلى الله من صلاة ألفي ركعة تطوعاً…3" وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "غضّ الطرف عن محارم الله أفضل عبادة"4 وعن الإمام زين العابدين عليه السلام: "من أجتنب ما حرّم الله فهو من أعبد الناس"5.

ويتعدّى القبول ليشمل كافّة المعاملات مع أهل الورع فعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "الصلاة خلف رجل ورع مقبولة، والهدية إلى رجل ورع مقبولة، والجلوس مع رجل ورع من العبادة، والمذاكرة معه صدقة".

أ- من أهل الجنة بلا حساب:6 فعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "قال الله تعالى: يا موسى، إنه لن يلقاني عبد في حاضر القيامة إلا فتشته عمّا في يديه إلا من كان من الورعين، فإني استحييهم وأجلّهم وأكرمهم وأدخلهم الجنّة بغير حساب"7.

ب- أفضل التقرّب: والورع عن محارم الله سبحانه لا يقلّ درجة عن التقرب إلى الله بالفرائض، فعن أبي عبدالله الصادق عليه السلام قال: "فيما ناجى الله عزّ وجلّ به موسى عليه السلام يا موسى ما تقرب إليّ المتقربون بمثل الورع عن محارمي فإني أبيحهم جنات عدن لاأشرك معهم أحدا8"ً.

ج- شيمة الوالين: عن الإمام عليّ عليه السلام: "من أحبّنا فليعمل بعملنا وليستعن بالورع، فإنه أفضل ما يستعان به في أمر الدنيا والآخرة"9.

الإمام الصادق عليه السلام: "عليكم بالورع، فإنه الدين الذي نلازمه، وندين الله به، ونريده ممن يوالينا"10.

وعن الإمام الباقر عليه السلام - لخيثمة، لما دخل عليه ليودعه -: "أبلغ موالينا السلام عنّا، وأوصهم بتقوى الله العظيم، وأعلمهم يا خيثمة أنا لا نغني عنهم من الله شيئاً إلا بعمل، ولن ينالوا ولايتنا إلا بورع"11.

د - جليس الله: والمراد هنا مقام القرب من المليك المقتدر الذي يناله الورِع، فعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "جلساء الله غداً أهل الورع والزهد في الدنيا"12.

هـ- مضاعفة الأجر: فعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "ركعتان من رجل ورع أفضل من ألف ركعة من مخلط"13. والمخلط من لا ورع له فاختلط حلاله بحرامه.

آثار عدم الورع

ولقلّة الورع آثارها الوخيمة التي لا ينفع معها شيء ولا يجبرها أيّ عملٍ من الأعمال، فعدم الورع تهديد شيطاني مستمرّ، فمثل الذي يسير بلا ورع كمثل الذي يسير تحت المطر وهو يتمنى أن لا يتبلّل بالماء، ونقتصر هنا على بعض الروايات التيأشارت إلى ويلات فقدان النفس للورع:

أ- عدم قبول الأعمال: فالأعمال بين قبولها وردّها ببركة الورع وعدمه، فكما أنّ الورع يُسهم في قبول الأعمال فإنّ عدمه يُسهم في ردّ الأعمال وحبطها، فعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "لو صلّيتم حتى تكونوا كالأوتاد، وصمتم حتى تكونوا كالحنايا لم يقبل الله منكمإلا بورع"14.

وعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "ليجيئنّ أقوام يوم القيامة لهم حسنات كجبال تهامة فيؤمر بهم إلى النار، قيل: يا رسول الله: أمصلّون؟ قال: كانوا يصلون ويصومون ويأخذون من الليل لكنهم كانوا إذا لاح لهم شيء من الدنيا وثبوا إليه"15.

ب- فساد الدين: لأنّ جمال صورة المتدين في ورعه واجتنابه المعاصي قبل أن يكون في قيامه بواجباته والفرائض، وعليه فمن لا ورع له فإنه يفسد دينه ويقدمه للآخرين بصورة مشوّهة،فعن الإمام علي عليه السلام: "أفسد دينه من تعرى عن الورع"16.

ج- إعراض الله عنه: أي إنّ الله لا يعبأ بعمله ولا ينظر إليه وهو الخسران المبين، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من لم يكن له ورع يرده عن معصية الله تعالى إذا خلا بها لم يعبأ الله بسائر عمله، فذلك مخافة الله في السرّ والعلانية، والاقتصاد في الفقروالغنى،والعدل عند الرضا والسخط"17.

* كتاب وتزودوا في شهر الله، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- الأمالي، ص 155.
2- عيون الحكم والمواعظ، ص 503.
3- ميزان الحكمة، ج1، ص 597.
4- ميزان الحكمة، ج 3، ص 1802.
5- وسائل الشيعة، ج15، ص 258.
6- ميزان الحكمة، ج4، ص 3512.
7- ميزان الحكمة، ج4، ص 3512.
8- الكافي، ج2، ص 80.
9- ميزان الحكمة، ج4، ص 3509.
10- المصدر نفسه.
11- ميزان الحكمة، ج4، ص 3509.
12- ميزان الحكمة، ج4، ص 3512.
13- ميزان الحكمة، ج4، ص 3512.
14- عدة الداعي، ص 140.
15- عدة الداعي، ص 295.
16- ميزان الحكمة، ج4، ص 3510.
17- الكافي، ج3، ص 454.

الاثنين، 8 يونيو 2015

تاريخ الحوزات الشيعية ـ 2

تاريخ الحوزات الشيعية ـ 2

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

في القرن الرابع الهجري ، وفي ظلّ الحكم الشيعي الذي شيّده البويهيّون في العراق وبعض البلاد المجاورة اُقيم أوّل محفل علمي في مدينة كربلاء إلى جوار مريد سيّد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام بفضل العالم الجليل والمحدّث القدير صاحب التصانيف الكثيرة ، وراوي أكثر الاُصول الشيعية الأربعمائة ، الشيخ حُميد بن زياد النينوي ، فكان اوّل نواة لتأسيس وإنشاء مركز علمي وحوزة شيعية علمائية ، ثمّ انتقل إليها الفقيه المكنّى بـ أبي حمزة ، من تلامذة المرحوم شيخ الطائفة ، وشهدت هذه الحوزة ازدهاراً كبيراً ، وحفلت بكبار الفقهاء والمجتهدين في فترات عديدة وعصور مديدة ، وتخرّج منها العديد من الأجيال حتّى أنّها صارت في بعض الفترات مركزاً دون منافس للزعامة الدينية والمرجعيّة الشيعة ، ومن أهمّ البارزين فيها ، أو الراحلين إليها والنازلين بها ، من أعيان الطائفة يمكن تسمية الشيخ ابن فهد الحلّي أعلى الله مقامه ، والفقيه الأخباري الكبير الشيخ يوسف البحراني قدس سرّه ، والعلّامة محمّد باقر الملقّب بـ الوحيد البهبهاني قدّس الله روحه ، الذي أحدث ثورة في اُصول الفقه الجعفري ، ونهض بأعباء الذبّ عن معالم الاُصول الشيعيّة في تصدّيه لهيمنة الفكر الأخباري ، وإلحاق الهزيمة بمشايخهم في عقر دارهم ، فظهر على يديه ، وترعرع في أحضان حلقات درسه المفعمة بالإيمان ، والمشيّدة على اُسس راسخة من العلم والبرهان ، جيل عظيم من أساطين العلم وقادة المذهب ، كالمرحوم السيّد مهدي بحر العلوم ، والمرحوم الشيخ جعفر كاشف الغطاء ، والمولى مهدي النراقي ، وغيرهم من الأعلام أعلى الله مقامهم ، ممّن كانوا مصابيح في سماء العلم والفضيلة ، وأعياناً للمذهب الحقّ يقتدي بهم طلّاب الحقّ والفضيلة ، كما برز فيها أيضاً المرحوم الميرزا محمّد تقي الشيرازي قائد ثورة العشرين وزعيم الطائفة في عصره ، وهكذا برز المرحوم الحاج آقا حسين القمّي قدّس الله روحه ، وغيرهم كثيرون.

كما احتضن الجنوب اللبناني ، وعلى وجه التحديد منطقة جبل عامل ، أحد المراكز الشيعيّة والحوزات العلميّة بعدما هاجر منها العديد من الشباب الغيارى ومحبّي المعارف العلويّة والعلوم الجعفريّة إلى العراق وغيرها من الحوزات العلميّة والمراكز الشيعيّة طلباً للعلم والمعرفة من نبعها الصّافي ثمّ عادوا إلى ذويهم يحملون سلاح العلم والمعرفة يبثّونه هنا وهناك ، ويذودون به عن الشريعة الغرّاء ، بدءاً بالمحقّق العلّامة الكراجكي ، والمحقّق العلّامة الكركي ، الملقّب بالمحقّق الثاني ، والعلّامة الشيخ البهائي ووالده ، والعلّامة المحدّث الشيخ الحرّ العاملي المشهور بصاحب الوسائل ، وهكذا المجلسيّين أعني العلّامة المحدّث الشيخ محمّد تقي المجلسي ، ونجله العلّامة المحدّث الشيخ محمّد باقر المجلسي المعروف بصاحب البحار ، والعلّامة الفقيه الشهيد الثاني ، وانتهاءً بالعلّامة السيّد عبدالحسين شرف الدين ، والسيّد محسن الأمين وأضرابهم كثيرون.

هذه أبرز وأشهر الحوزات العلمية والجامعات الشيعية الإماميّة ، لكنّ انتشار العلم والفضيلة لم يقتصر على هذه المراكز بل انطلق العلماء منها إلى مختلف البلاد وشتّى أرجائها ، والمواقع الشيعيّة ومدنهم المقدّسة حيث أنشأوا فيها الحوزات ، وأقاموا فيها المدارس العلميّة ، وتخرّج منها الكثير من العلماء والأساتذة والفضلاء والخطباء ، كما وقع ذلك في حوزة الكاظميّة في العراق ، وحوزة سامرّاء أيضاً في العراق ، حيث أسّسها وانتقل إليها المرحوم الميرزا حسن الشيرازي الكبير ، وجمع غفير من تلامذته وعلماء عصره ، وحوزة إصفهان ، لا سيّما في العهد الصفوي ، حيث وجد العلماء فيها ضالّتهم ، فوفدوا إليها زرافات زرافات بعد أن دعى حكّام الصفويّين كبار علماء الطائفة وفحول فقهائها للنزوح إلى هذه المدينة ، وإقامة مركز علمي شيعي فيها ، فأقبل إليها المرحوم الشيخ البهائي العاملي ، والمرحوم المحقّق الثاني ـ الكركي العاملي ـ ، والشيخ الحرّ العاملي صاحب وسائل الشيعة ، والمرحوم محمّد تقي المجلسي ، ونجله محمّد باقر المجلسي صاحب البحار ، وأضرابهم من أهل العلم والفضيلة ، وهي مستمرّة إلى يومنا هذا ، وفي حوزة قمّ المقدّسة التي تعدّ من المراكز الشيعية الاُمّ منذ عهد المعصومين عليهم السلام ، حتّى ورد ذكرها في بعض الأخبار والروايات ، وأثنى عليها وعلى أهلها أئمّتنا الأطهار عليهم الصلاة والسلام ، فإنّها كانت حافلة منذ الغَيبة الصغرى بفقهاء الطائفة الحقّة ومحدّثيها وخيارها ، وكان الأمر فيها على هذه الحال إلى بعد الغَيبة الكبرى بقرن كامل تقريباً ، أي كانت مزدهرة ناشطة طيلة مئة وسبعين عاماً تقريباً ؛ لأنّها كانت في أحلك الظروف وأقساها ، مأمناً للمؤمنين ، وملجئاً آمناً لهم ، يلوذون إليها من جور الجبابرة ، وظلم المعاندين المخالفين ، وسرّ عظمتها المكنون فيها أنّها تحتضن باباً من أبواب الرحمة الإلهيّة ، وشفيعة في الدرجات العليّة ، والمقامات العالية من الجنّة ، وكريمة أهل البيت التي إلى جودها وكرمها يلجأ أهل الحقّ فلا تردّ أحداً من باب جودها ، وإلى كرمها تنتهي المكارم ، ألا وهي سيّدتنا ومولاتنا سَميّة جدّتها ، فاطمة المعصومة بنت الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليها وعلى آبائها وأخيها آلاف التحيّة والثناء ، وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم.

وقد اشتهرت هذه الحوزة العلمية ، وزاد صيتها ، وارتفع رصيدها من جديد ، في عهد مؤسّسها أو مجدّدها المرحوم الشيخ عبد الكريم الحائري ، والمرحوم السيّد آقا حسين البروجردي قدّس الله روحهما ، وهي بعد الثورة الإسلامية المباركة بزعامة الإمام الخميني قدّس الله روحه معقل التشيّع ، وملجأ المؤمنين ، وملاذ المجتهدين ، ومن هذه الحوزة انتشر النور إلى أقصى العالم وأدناه ، ولا تزال منبعاً للفضيلة ، ومصدراً للخيرات والبركات ، يتهافت إليها طلّاب العلم والفضيلة من أقاصي البلاد ، ويعودون بالزاد الذي حملوه عن أهل البيت عليهم السلام على أيدي فحول العلم وأصحاب المعرفة ، ويقطنها أكثر مراجع الطائفة وفقهاء الإماميّة ممّن تلقّوا علومهم في حوزة النجف الأشرف ، أو تلمّذوا على أيدي علمائها ، وهي حوزة مزدهرة بالعلوم والمعارف وكثرة المكتبات ومليئة بالأنشطة الدينيّة والثقافيّة والمدارس ومراكز التحقيق ودور النشر ، وناشطة في مجال التأليف والطباعة والنشر.

كما ينقسم فيها المنهج التعليمي إلى المنهج التقليدي القديم ، والتقليدي المشوب بالتحديث ، والمنهج الحديث الذي يمنح طلّابه شهادات تعادل الشهادات الجامعيّة المعاصرة ، وتتمتّع بإدارتين مستقلّتين ، إدارة خاصّة بالطبعة الايرانيّين ، وإدارة اُخرى خاصّة بالطلبة غير الايرانيّين ، وإن كانت تلتقي في مديرية واحدة مشتركة.

وأخيراً الحوزة العلمية بمدينة مشهد المقدّسة ، وهي أيضاً كانت منذ القِدم ولا تزال حوزة ناجحة ، ناشطة ، مزدهرة بالعلماء والمحقّقين وطلبة العلوم الدينية ، كما لا تخلو مدينة شيعيّة أو بلدة يقطنها عالم شيعيّ أو بعض علماء الطائفة إلّا وتجد فيها مدرسة علميّة أو حوزة مصغّرة ينتفع بها طلاّب العلم وعشّاق الفضيلة ، كما هو الحال في معظم المدن الايرانيّة ، وبعض المناطق اللبنانيّة والبحرينيّة والحجازيّة والسُّوريّة ، وعلى وجه التحديد في بلدة الزينبيّة ، حيث مرقد العقيلة الهاشميّة سيّدتنا زينب الكبرى عليها الصّلاة والسّلام ، وهي تزدهر بالنشاطات العلميّة وحلقات الدروس في المدارس والمراكز العلميّة ، ومن قبل في حلب وغيرها ، وأشهر من برز فيها المرحوم السيّد ابن زهرة ، والشهيد الأوّل قدس سرّهما ، وهكذا.

كما ظهرت بعض المراكز العلميّة الشيعيّة في فترات متقطّعة قصيرة في بعض البلاد والمدن الإسلاميّة ، ثمّ اختفت واُغلقت واندرست آثارها ، كما هو الحال في نيسابور وقزوين وهمدان والأهواز وغيرها.

والحمد لله ربّ العالمين



مقتبس من كتاب كيف نفهم الرسالة العمليّة الجزء 2

تاريخ الحوزات الشيعية ـ ١

تاريخ الحوزات الشيعية ـ ١

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

بدأت حوزاتنا العلميّة ودروس الإجتهاد بشكل منظّم في العهد العبّاسي ، منذ أن وجدت لها نافذة على الحرية وموطئ قدم في مدينة بغداد عاصمة العبّاسيّين حينذاك ، بعد ما اطمئنّوا من وفاة الإمام الحسن العسكري عليه السلام الذي كانوا قد شدّدوا عليه الرقابة ، وضيّقوا عليه الخناق ، حتّى يقضوا على المهدي المنتظر عليه السلام المرتقب أن يولد من صلب أبي محمّد العسكري عليه السلام ، لكن توفّي أبو محمّد عليه السلام ولم يُخلّف في نظرهم ولداً ، ولا ترك وريثاً ذكراً ، فاطمئنّوا أن لا أساس لوجود المهدي المنتظر عجّل الله فرجه ـ على حدّ زعمهم ـ ، وكيف كان فقد تنفّس المذهب وأهله لا سيّما علماؤه الصعداء ، واستنشقوا الهواء العذب إلى حين ، بعد قرون من الظلم والاضطهاد ، والعمل في الخفاء خوفاً من الملاحقة والسجن والقتل والتشريد.

وكان ذلك في عصر الشيخ المفيد أعلى الله مقامه الشريف ، حيث استقلّ كثير من بلاد المسلمين عن الدولة الإسلامية الكبرى والخلافة الاُمّ المتمثّلة آنذاك في الحكم العبّاسي ، وظهرت الدويلات والإمارات الإسلامية التي حكمها الاُمراء وملوك الطّوائف بعيداً عن السّلطة المركزية يومئذٍ ، فانقسمت الدّولة الإسلاميّة إلى مجموعة بلاد إسلاميّة ، ومن هنا قد تجسّدت بعض آمال الشيعة تحقّقت بعض أمانيهم حيث انعقدت نطفة أوّل دولة شيعيّة وانطلقت للعيان فكرة إنشاء أوّل مدينة إسلاميّة على نهج أهل البيت عليهم السلام بعد عصر المعصومين عليهم السلام ، وفي زمن الغيبة الكبرى متجسّدة في الدولة البويهيّة التي أنشأها الأمير عضد الدّولة البويهي من ديالمة الفرس ؛ إذ كان له رحمه الله قصب السّبق في نصرة التّشيُّع ، واليد الطولى في نشر المذهب ، وبسط معالمه ، وترسيخ دعائمه ، وتثبيت أركانه ؛ وذلك بفضل استعانته بشيخ مشائخ الطائفة وزعيمها على الإطلاق ، أعني مولانا الشيخ المفيد أعلى الله مقامه الشريف ، وتلبية رغباته جميعاً ، وتحقيق أوامره بعد أن أكرمه أشدّ تكريم ، وتمثّل لأوامره بإنشاء أوّل حوزة شيعيّة وأفضل مدرسة علميّة إماميّة في بغداد عاصمة البويهيّن بعد طول غيبة للحريّات وطول هجران لهذا المذهب من قِبل الحكّام والخلفاء بالحرب الإعلاميّة والتصفيات الجسديّة التي مارسوها على المذهب الحقّ وأهله وكافّة المنتسبين إليه ، فالتحق بها المتعطّشون إلى العلم والمعرفة والفضيلة وتخرّج منها جمع غفير من علماء الطّائفة وأعلام المذهب كالعَلَمين السّيّدين المرتضى والرّضيّ وشيخ الطّائفة الطّوسيّ أعلى الله تعالى مقاماتهم ، الذي انتقل فيما بعد إلى نجف الأشرف ووضع الحجر الأساس واللبنة الاُولى لتأسيس الحوزة العلميّة في مدينة النجف الأشرف بعد أن نجحت مؤامرات الأعداء في إسقاط الدولة البويهيّة والقضاء عليها وصار الشيخ مستهدفاً من قِبل الغزاة ، ولهذا كانت بغداد معقلاً لأوّل جامعة دينية في عصر غيبة المعصوم عليه السلام ، كما كانت في تلك الحقبة الزمنية مركزاً للعلوم والفنون المختلفة لكافّة المذاهب والتوجّهات الإسلامية ، فوجد الفكر الإسلامي فيها مجالاً خصباً للنمو وتبادل الآراء والأنظار ، ومقارعة الحجج والبراهين ، والرقيّ والتكامل والانتشار ، وإن لم يخلُ ذلك من جوانب سلبيّة أدّت إلى نشر بعض الأفكار الباطلة والمذاهب الضالّة.

وبعد أن ضاقت الخلافة العبّاسية ذرعاً ، لا سيّما بفعل الدسائس والفتن التي بثّها بعض علماء المذاهب المناوئة للمذهب الجعفري ، مارس الخليفة وأزلامه ظغوطاً شديدة على علماء المذهب وأجبروهم على الرحيل إلى مدينتي الريّ وقم الفارسيّتين منذ الأعوام الاُولى من الغَيبة الكبرى بحثاً عن الأجواء الآمنة والظروف الملائمة ، وإن كانت هاتان المدينتان مقرّاً لجمع غفير من الشيعة منذ أمدٍ طويل ، وكان قد برز فيهما بعض أعلام الطائفة من الفقهاء والمحدّثين منذ الغَيبة الصغرى كالمرحوم الشيخ الكليني أعلى الله مقامه الشريف مصنّف أبرز كتب الحديث ، أعني الكافي ، وهو أحد أشهر الكتب الأربعة في المذهب الإمامي الاثني عشري ، وهكذا الشيخ الصدوق أعلى الله مقامه الشريف ، مصنّف الكتب العديدة ، لا سيّما كتاب فقيه من لا يحضره الفقيه ، وهو من الكتب الأربعة أيضاً ، وهكذا ابن بابويه القمّي والد الشيخ الصدوق ، وكذلك أخوه ، حيث سُمّي الشيخ الصدوق وأخوه بالصدوقين ، وكلّهم من أجلّاء الأصحاب وأعلام الطائفة ، لكنّ جميع هؤلاء الأعلام تلقّوا علومهم في بعض مدن العراق لا سيّما العاصمة بغداد.

إلّا أنّ هذه النقلة لم تدم طويلاً ، وعادت الدراسة الدينية والنشاطات العلمية الشيعية إلى بغداد في التفرة الأخيرة من الحكم العبّاسي بفضل الجهود التي بذلها شيخ الطائفة أعلى الله مقامه الشريف ، والظروف التي أحدقت بالنظام العبّاسي فزلزلت حكمهم ، وقلّصت من سلطتهم ، وأصحت بغداد ، وبالتحديد في جانب الكرخ من هذه المدينة ، تعجّ بطلبة العلوم الدينية وعشّاق المعارف الإلٰهيّة الصادرة من النبع الصافي والفكر الأصيل لأهل بيت العصمة والطهارة عليهم أفضل صلوات المصلّين ، وكان الشيخ الطوسي ـ قدّست نفسه الزكيّة ـ محلّ احترام وتقدير لدى كافّة علماء المسلمين وإن كانت عظمة شأنه وجلالة قدره لم تشفع له عند المبغضين وناصبي العداء لأهل البيت عليهم السلام ولشيعتهم ، فلاقى منهم ما لاقى أهل البيت عليهم السلام من أسلافهم.

ومع الغزو البربري التركي السلجوقي على العراق والبلاد الإسلامية جمعاء ، لا سيّما عزوهم لبغداد العاصمة بسبب الصراعات الداخليّة والخلافات الشديدة التي عاشتها الحكومة المركزية ، والانشقاق والتمزّق وضعف الإرادة لدى مركز الخلافة العبّاسية ، واشتغال الخليفة بالاُمور الهامشية ، والانغماس في الملذّات والشهوات ، واتّساع الهوّة بينه وبين الرعية بتسليط الأتراك على رقاب المسلمين ، لهذه الأسباب وغيرها ممّا لا مجال إلى سردها في هذه الوجيزة رحل العلم وأهله من بغداد ، وشدّت الجامعة العلمية الشيعية رحالها إلى مدينة الحلّة الشهيرة في العراق ، فحطّت وأناخت برحلها هناك ، وقامت المعاهد والمدارس والمراكز العلميّة الإماميّة على قدم وساق مزدهرة بحلقات الدروس ، مكتظّة مزدحمة بأهل العلم وطلّابه ، وتطوّرت دراسة الفقه والاُصول ومباني الاجتهاد في بغداد ثمّ الحلّة تطوّراً كبيراً ، وظهرت منهجيّة في غاية الدقّة والاتقان ، سيّما بعد أن ظهر فطاحل الفقه والاُصول وأساطينهما ، كالمحقّق الحلّي صاحب الشرائع ، والعلّامة الحلّي صاحب المصنّفات العظيمة ، وابنه فخر المحقّقين صاحب المعالم ، والشهيد الأوّل صاحب اللمعة الدمشقية ، وابن ورّام صاحب مجموعة ورّام ، والسيّد ابن طاووس ، وأمثالهم من الأعاظم والفقهاء ، واستمرّت الحركة العلمية في الحلّة حتّى مع تأسيس حوزة النجف ، وظلّت ناشطة لمدّة مديدة رغم وجود الحوزة العلمية التي أنشأها شيخ الطائفة الشيخ الطوسي أعلى الله مقامه الشريف.

وأمّا النجف الأشرف فمنذ أن حلّ بها شيخ الطائفة لمع نجمها في سماء العلم والفضيلة ، وصارت مأوى العلم والعلماء وملجأ طلّاب العلم والفضيلة يشدّون إليها الرحال ، ويعلّقون عليها الآمال ، فاستقرّت الزعامة الدينية والقيادة العلميّة والمرجعيّة الفقهيّة في هذه المدينة المقدّسة طيلة القرون والأعصار المتمادية ، فكانت مصدر الخيرات ومنبع البركات لمذهب أهل البيت عليهم السلام منذ نشأتها إلى يومنا هذا ، وكيف لا وفيها ضريح مدينة علم الرسول صلّى الله عليه وآله عليّ بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام ، فقد تخرّج منها أقطاب الإماميّة وأعلامها ، وأساطين الفقه وأعاظمه ، وفحول الأدب والشعراء ، ونوابغ المتكلّمين ، وأعاظم الحكماء والفلاسفة ، وأعمدة المفسّرين ، بالإضافة إلى فطاحل في علم الرياضيات والحساب والهندسة والجبر والطبّ والفلك والعلوم الغربية ، كالجفر وعلم حروف الجمل ، ناهيك عن أصحاب القلم والمفكّرين الإسلاميّين والخطباء المفوّهين ، فضلاً عن الزعماء الدينيّين والفقهاء المجاهدين الذين بفضل جهودهم وجهادهم وحسن تقديرهم وحنكتهم السياسية وفتاواهم الصارمة وشجاعتهم الحيدريّة وبطولاتهم في ميادين التصدّي والدفاع والجهاد ظلّت راية الحقّ ومعالمه خفّاقة ترفرف تحت ظلّ العناية العلويّة ورعاية بقيّة الله الأعظم أرواحنا فداه رغم اُنوف المعاندين والمكابرين.

والحمد لله ربّ العالمين



مقتبس من كتاب كيف نفهم الرسالة العمليّة الجزء الثاني

الحياة في البرزخ :

الحياة في البرزخ :

سمعت أنّ الإنسان يذهب بعد الموت إلى البرزخ ، فكيف هي الحياة في البرزخ ؟ هل هي شبه الجنّة أو ماذا ؟ الرجاء أفادتني وشكراً.

ج : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : « من مات فقد قامت قيامته » (1) ، فالبرزخ هي حياة ونشأة بين الدنيا والآخرة ، والمقصود من الحديث « قامت قيامته » هي القيامة الصغرى ، أو فقل أوّل درجات القيامة ، والقيامة الكبرى هي يوم الحشر الأكبر.

والآيات والروايات تثبت الحياة في عالم البرزخ ، وتثبت فيه النعيم والعذاب ، فالقبر إمّا روضة من رياض الجنّة ، أو حفرة من حفر النيران.

قال الشيخ الصدوق : « اعتقادنا في المسألة في القبر أنّها حقّ لابدّ منها ، فمن أجاب بالصواب فاز بروح وريحان في قبره ، وبجنّة نعيم في الآخرة ، ومن لم يأت بالصواب فله نزل من حميم في قبره ، وتصلية جحيم في الآخرة » (2).

قال الله تعالى عن فرعون وأتباعه : ( النَّارُ‌ يُعْرَ‌ضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْ‌عَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) (3).

وأجاب الإمام الصادق عليه السلام عندما سُئِلَ عن أرواح المؤمنين : « أرواح المؤمنين في حجرات في الجنّة ، يأكلون من طعامها ، ويشربون من شرابها ، ويقولون : ربّنا أقم لنا الساعة لتنجز لنا ما وعدتنا ».

وسُئل عليه السلام عن أرواح المشركين فأجاب : « في حجرات في النار يأكلون من طعامها ، ويشربون من شرابها ، ويتزاورون فيها ويقولون : ربّنا لا تُقم لنا الساعة ، لتنجز لنا ما وعدتنا » (4).

وهذه الرواية تدلّ بتمامها على وجود البرزخ بَعد الموت مباشرة ، ونعيم المؤمنين وعذاب الكافرين فيه مستمر حتّى تقوم الساعة.

فالبرزخ عالم حائل وحاجز بين الدنيا والآخرة ، وهو أوّل محطّات الرحلة إلى الآخرة ، وهو المنزل الأوّل للإنسان بعد مفارقة الدنيا بالموت ، كما قال تعالى : ( وَمِن وَرَ‌ائِهِم بَرْ‌زَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (5).


الهوامش

1. بحار الأنوار ٥٨ / ٧.
2. الاعتقادات : ٥٨.
3. غافر : ٤٦.
4. المحاسن ١ / ١٧٨.
5. المؤمنون : ١٠٠.


مقتبس من كتاب موسوعة الأسئلة العقائديّة الجزء الخامس

أهل البيت لغة وعرفاً

أهل البيت لغة وعرفاً هذا اللفظ مركب من كلمتين ولكل مفهوم، ويمكن تحديد مفهوم "الاَهل" من موارد استعماله فيقال: 1- أهل الاَمر وا...