الأربعاء، 2 ديسمبر 2015

العفة والحياء

العفة والحياء

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله وسلّم على أشرف أنبيائه المرسلين محمّد بن عبد الله وعلى آله الطيّبين الطاهرين، وأصحابه المنتجبين، والتابعين لهم من المؤمنين، الّذين جعلوا القرآن لهم منارة هدى ومحجّة صلاح وتربية، ومسلكاً ومنهاجاً، يقول تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾1.

وانطلاقاً من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾2.

فقد دأب مركز نون للتأليف والترجمة، وطوال مسيرته التأليفيّة الهادفة، إلى اعتماد القرآن الكريم مستنداً أساساً في كلّ فكرة أو طرح يقدّمه، وقد كانت هذه السلسلة الثقافيّة الفصليّة باكورة هذه التآليف الهادفة، المنطلقة من القرآن والمتمسّكة بأهل البيت عليهم السلام كمرجع وعِدْل للقرآن لا ينفصل عنه.

وبعد كتاب "وموعظة للمتّقين" أردنا متابعة المسيرة التربويّة الّتي تعالج مواضيعَ هي محلّ ابتلاء في المجتمع، نجد أنفسنا في قبالها مكلّفين ببذل ما أمكن لمواجهتها وتصويب مسار الأفراد نحو البيئة الخُلُقيّة الصافية. ومن يراجع العناوين المطروحة في هذا الكتاب يجد فيها أموراً أمست اليوم حديث كلّ مؤمن اهتمّ بصلاح نفسه وعائلته ومجتمعه وبرضا ربّه, من العفّة والحياء إلى الحياة الزوجية، فالتربية للأبناء إلى التهجّد في الليل والإنفاق وغير ذلك.

ونحن حاولنا بما أمكن لهذا الكتاب أن يحويه، معالجة هذه الأمور الهامّة ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّقنا وجميع المؤمنين لما فيه الخير والصلاح والعافية، إنّه سميع مجيب.

يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِير﴾3 

قوى النفس وأهميّة تهذيبها
كلُّ إنسان إذا رجع إلى نفسه ووجدانه وتأمّل سيجد أنّ فيه عدّة قوى: قوّة الغضب، وقوّة الشهوة، وقوّة الوهم، وقوّة العقل.
هذه القوى في الواقع هي الّتي من شأنها التحكُّم بقرارات الإنسان وبالتالي بمصيره في الدنيا والآخرة، وهي متصارعة فيما بينها، أيّها يكون الآمر المطاع والمسيطر، لأنّ كلّ قوّة تريد إثبات مقتضاها دون أن تأبه بما يقتضيه غيرها ولذا يقع التصادم في مقتضياتها.

والإنسان مأمور أن يُحكِّم القوّة العاقلة لتكون هي السلطان، وهي الآمر والناهي، وتخضع لها القوى الأخرى، فتُقدم عندما تأمرها القوّة العاقلة، وتنزجر عندما تزجرها، فتكون القوى الأخرى بمثابة الجنود المطيعة لسلطة واحدة هي سلطة العقل.

وحيث إنّ هذه القوى قد تجمح إلى الإفراط، وقد تميل إلى التفريط، وقد تعتدل، فلا بُدّ من بذل الجهد لردّها إلى الاعتدال، وهو أمر في غاية الصعوبة ويستلزم جهداً عظيماً في طريق تحقيقه والوصول إليه، إلا أنّه في غاية القداسة أيضاً بل هو غاية بعثات جميع الأنبياء عليهم السلام، وهو هدف الأوصياء عليهم السلام ومبتغى الحكماء، بل هو غاية الخلقة.

وقد صرّح خاتم الأنبياء المصطفى محمّد صلى الله عليه وآله وسلم بذلك بقوله: "إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق"4.
والاعتدال يتمثّل بالأخذ بالأواسط من الأمور، وهو ما يأمر به العقل السليم ويُرشد إليه الشرع المبين، وكلّ سير باتّجاه أحد الطرفين مذموم، والوصول إلى أحدهما هو الوقوع في الرذيلة.

معنى العفّة
من القوى الأساس المكوّنة للنفس الإنسانية والتي أُمر الإنسان بتهذيبها وردّها إلى الاعتدال:
القوّة الشهويّة ويُطلق عليها القوّة البهيميّة لأنّ مقتضاها يشترك فيه الإنسان مع الحيوانات من التلذُّذ بشهوتي البطن والفرج.

ولا تعني هذه التسمية أنّ هذه القوّة سلبيّة، أو لا فائدة من وجودها، بل إنّ الله تعالى قد خلقها لمنفعة نوعيّة مهمّة للإنسان، ولكن عندما لا تُهذّب تأخذ ذلك الطابع السيّئ وتتحوّل إلى إحدى المهلكات للإنسان.

ففائدة القوّة الشهويّة الإبقاء على البدن والنسل، فالبدن هو آلة النفس في هذه النشأة المادّيّة فتُحفَظ الروح بحفظه، والقوّة الشهويّة تدفع الإنسان نحو الغذاء والنكاح من خلال شهوتي البطن والفرج ليدوم البدن والنسل، وكذلك الشهوات الأخرى لها منافعها بشرط اعتدالها وتهذيبها.

فتحصيل فائدة القوّة الشهويّة لدى الإنسان بنظر الشرع والعقل مشروط بتهذيبها، فلا بُدّ من بذل الوسع لردّها إلى الاعتدال كي تتحقّق غايتها فتزكو النفس ويحيا صاحبها الحياة الإنسانية الّتي هي غاية الخلق.

فإذا هُذِّبت "القوّة الشهويّة" واعتدلت وصارت تأتمر بأوامر العقل والشرع تُصبح عفيفة، وانتُزع منها معنى في غاية الحسن والفضيلة نُطلق عليه عنوان العفّة.
فالعفّة إذاً هي صفة تلحق نفس الإنسان بعد تهذيبه للقوّة الشهويّة وردّها إلى الاعتدال من غير إفراط فيها ولا تفريط أي من غير شَرَه ولا خمود.

القوّة الشهويّة خطرة وتهذيبها من الجهاد الأكبر
وبما أنّ من أعظم الشهوات شهوتي البطن والفرج فإنّ خطر هاتين الشهوتين عظيم إلى درجةٍ أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يُصرِّح بالخوف منهما على أمّته:

قال صلى الله عليه وآله وسلم: "ثلاث أخافُهنّ على أمّتي من بعدي: الضلالة بعد المعرفة، ومضلّات الفتن، وشهوة البطن والفرج"5.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "أكثر ما يلج به أمّتي النار الأجوفان: البطن والفرج"6.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "من وقي شرّ لقلقه (لسانه) وذبذبه (فرجه) وقبقبه (بطنه) فقد وجبت له الجنّة"7.

وأيضاً بما أنّ مقتضاهما قويّ جدّاً فإنّ تهذيبهما وردّهما إلى الاعتدال شاقٌّ جدّاً ويستلزم جهاداً مريراً مع النفس، وهو العفّة، ولكن أفضل الأعمال أحمزها وأشقّها، فمن قام بهذه المهمّة ووصل إلى فضيلة العفّة يكون في درجة عالية عند الله من حيث المقام والقرب، ومن حيث الثواب والأجر، فلذلك ورد في الروايات أنّه ما عُبد الله تعالى بأفضل من عفّة بطن وفرج.

يقول الإمام الباقر عليه السلام:"ما من عبادة أفضل من عفّة بطن وفرج"8.
وعن أمير المؤمنين عليه السلام:"ما المجاهد الشهيد في سبيل الله بأعظم أجراً ممن قدر فعفّ، لكاد العفيف أن يكون ملكاً من الملائكة"9.
وعنه عليه السلام: "أفضل العبادة العفاف"10.
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من عشق وكتم وعفّ وصبر، غفر الله له وأدخله الجنّة".
وعن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال لرجلٍ عندما قال له: إنّي ضعيف العمل قليل الصيام، ولكنّي أرجو أن لا آكل إلا حلالاً: "أيُّ الاجتهاد أفضل من عفّة بطن وفرج؟"11.

وفي نقل المحاسن قال الرجل:إنّي قليل الصلاة قليل الصوم ولكن أرجو أن لا آكل إلّا حلالاً، ولا أنكح إلّا حلالاً، فقال: "وأيُّ جهاد أفضل من عفّة بطن وفرج؟!"12.

يتبيّن من هذه الروايات الشريفة أمران:
1- أنّ التعفُّف والارتداع عن الشهوات المذمومة من موجبات الأجر والدرجات الرفيعة عند الله تعالى.
2- كم هو صعب وشاقّ هذا الأمر حتّى يوضع في مصافّ الشهادة !

ولماذا ليس الشهيد أعظم أجراً من الّذي قدر فعفّ؟
إنّ الشهيد يُقدِّم نفسه في سبيل الله تعالى، والمتعفِّف يدوس على نفسه ويقتل فيها دوافعها غير المشروعة مرّات ومرّات ما دام له شعور في هذه الحياة، فإذا كان الشهيد يُقتل مرّة فالعفيف يقتل دوافع نفسه السيّئة مراراً!

درجات العفّة
الأولى: فالعفّة اللازمة الواجبة هي العفّة عن المحذورات الشرعيّة المتعلِّقة بالشهوات، فبالنسبة لعفّة البطن في هذه المرتبة هي أن يرتدع المكلَّف عن أكل الأشياء المحرّمة، أو شرب المشروبات المحرّمة كأكل لحم الخنزير أو اللحوم غير المذكّاة التذكية الشرعية أو كشرب الخمر وكلّ مسكر أو أكل النجس، وكذلك يرتدع عن أكل الأموال المحرّمة الّتي تكون نتاجاً للمعاملات المحرّمة كالربا والغشّ والنصب والاحتيال والقمار.... 

الثانية: وأمّا العفّة بالمرتبة الثانية فهي التورّع عن المذمومات والمكروهات في الشريعة، مثلاً: إذا ترك الامتلاء من الطعام أو ترك الطعام في المواضع العامّة، أو دافع شهوة الطعام كي لا تذهب مروءته فهي عفّة بمرتبة ومقام آخر.

الثالثة: والعفّة في مرتبة ومقام آخر تتجلّى في أن يترك ما اشتبه عليه من الطعام فهو الورع، مثلاً: إذا اشتبه في اللحم هل هو مذكّى أم لا فإنّه لا يأكله، وإذا اشتبه في المكسب أنّه ربا أم لا فإنّه يتورّع ويتعفّف عنه مع أنّه قد يُقال إنّ الأصل العمليّ البناء على الحلّيّة.

هذه العفّة في الطعام وفي الأموال والكسب.
وأمّا العفّة في شهوة الفرج ومتعلّقاتها

فالمرتبة الأولى: أن يكون عفيفاً عن الحرام بأن لا يزني ولا ينظر النظر الحرام إلى الأجنبية ولا يسمع الكلام المثير الحرام، ولا يخلو بالأجنبية..

والمرتبة الثانية: أن يترك المكروهات ممّا يتعلّق بهذه الشهوة فهذه درجة أرقى من العفّة، كأن يترك النظر إلى ما يُكره النظر إليه من المرأة أو الأفلام والمسلسلات غير المحرّمة ولكنّها مكروهة، وتترك المرأة بعض التصرّفات كمضاحكة الرجال والمزاح معهم ومباسطتهم الحديث وإن لم يصل إلى الحرام، ويترك الاستماع والاختلاط إلا مع الضرورة فإنّ الاختلاط قد يكون محرّماً وقد يكون مكروهاً فهذا كلُّه تعفُّف بشأن شهوة الفرج وهو بدرجة أرقى من الدرجة السابقة لأنّ هذه الدرجة تشتمل على المرتبة السابقة وزيادة.

والمرتبة الثالثة: من عفّة الفرج هي ترك ما يُشتبه به بأنّه محرّم، مثلاً: لو لبست المرأة الحجاب بطريقة معيّنة تكون من ناحية مغطّية لتمام الجسم ومن ناحية ثانية يكون اللباس ملتصقاً بالجسم بحيث قد يوجب الإثارة أو مثلاً الحجاب مع بعض الألوان الملفتة ونمط الخياطة الخاصّ.

فالخلاصة: العفّة ليست مرتبة واحدة وإنّما هي مراتب متعدِّدة، كلّما ارتقى المكلَّف مرتبة تكون درجة عفّته أرقى وأعظم، ومقامه عند الله أكبر، وتكون العفّة أشقّ وأجهد.

وامنن على نسائنا بالحياء والعفّة
ومن الملفت في دعاء للإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف أنّه يدعو لمجمل أصناف الأمّة، كلٌّ بما يُناسبه ويقوّمه ويحتاج إليه، إلى أن يصل إلى الدعاء للنساء فيدعو لهنّ بقوله عليه السلام: "وامنن على النساء بالحياء والعفّة"، فلم يدعُ لهنّ بالتقوى مثلاً أو بالعلم أو بالغنى، وإنّما بالحياء والعفّة, لأنّ هاتين الخصلتين في غاية الأهميّة للمرأة على صعيدها الشخصيّ الذاتيّ في التزامها وورعها وقربها من خالقها، وعلى صعيد صلاح المجتمع الّذي تُشكّل المرأة أحد مكوّناته الأساس، تأمّل في النكتة الّتي ذكرتها لك لترى مدى أهميّة أن تكون المرأة عفيفة وتمتلك الحياء:".. وتفضّل على علمائنا بالزهد والنصيحة، وعلى المتعلِّمين بالجهد والرغبة، وعلى المستمعين بالاتّباع والموعظة، وعلى مرضى المسلمين بالشفاء والراحة، وعلى موتاهم بالرأفة والرحمة، وعلى مشايخنا بالوقار والسكينة، وعلى الشباب بالإنابة والتوبة، وعلى النساء بالحياء والعفّة... "13 .

إنّ حياء المرأة وتعفُّفها هما بمثابة المكابح في وجه الشهوة العارمة الّتي قد تجتاح المجتمع فتقضي على كلّ قيمه الإنسانية وتذره مجتمعاً منحلّاً مهشّماً ضعيفاً مهترئاً تطمع فيه الأعداء ويستهين به المتربّصون بالقيم.
إنّ الشهوة عند الرجل بمثابة الدافع القويّ الّذي يجعله يُقدم ويتجرّأ ويقتحم ويتوثّب، ولكنّ المرأة بتعفُّفها وحيائها هي الّتي تكبح جماحه، وتردعه، فتصوَّر لو أنّ المكابح فسدت والوقود يتوهّج بسبب المهيّجات والمثيرات الّتي باتت لا تُحصى عدداً ولا تُدرك كيفاً، والسير بمنحدر سحيق. 

ماذا يُتوقّع مع هذا التوصيف للواقع؟!
من الطبيعيّ الحكم بالهلاك على الفرد ويتبعه المجتمع !

ومن أروع الصور الّتي يرسمها القرآن الكريم للحياء والعفّة من ناحية وللشهامة والرجولة والمروءة من ناحية أخرى، ما يذكره تعالى في سورة القصص عمّا جرى بين كليم الله موسى عليه السلام وبين ابنتي نبيّ الله شعيب عليه السلام14: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ﴾ وهو بئر كانت لهم ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ أي: جماعة من الرعاة يسقون مواشيهم الماء من البئر.﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَان﴾ أي: تحبسان وتمنعان غنمهما من الورود إلى الماء، أو تكفّان الغنم عن أن يختلط بأغنام الناس ﴿قَالَ﴾ موسى لهما: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ أي: ما شأنكما، وما لكما لا تسقيان مع الناس، وطبعاً هذا مظهر شهامة ورجولة يُعلِّمنا كيف لا نقف مكتوفي الأيدي إذا واجهنا ضعيفاً يحتاج إلى المساعدة بل نبادر إلى إعانته ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي﴾ عند المزاحمة مع الناس ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء﴾ أي حتّى ينصرف الناس، فإنّا لا نطيق السقي، فننتظر فضول الماء، فإذا انصرف الناس سقينا مواشينا ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لا يقدر على أن يتولّى السقي بنفسه من الكبر، ولذلك احتجنا، ونحن من النسوة، أن نسقي الغنم. وإنّما قالتا ذلك اعتذاراً إلى موسى في الخروج بغير محرم، فإنّ المرتكز في ذهنيهما أنّ الفتاة لا ينبغي أن تكون في هذا الظرف والموقف، وهو كلام يُعبّر عن التربية النبوية، وعن الفطرة غير المتحوّلة في مسألة احتجاب المرأة، وعدم الاختلاط بالرجال، فهذا هو الّذي شعرت البنتان بحاجتهما إلى الاعتذار لأجله ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ قيل: رفع لأجلهما حجراً عن بئر، كان لا يقدر على رفع ذلك الحجر عنها إلا عشرة رجال، وسألهم أن يعطوه دلواً، فناولوه دلواً، وقالوا له: انزح إن أمكنك. وكان لا ينزحها إلا عشرة، فنزحها وحده، وسقى أغنامهما، ولم يستق إلا ذَنوباً واحداً، حتّى رويت الغنم.

قال ابن إسحاق: فرجعتا إلى أبيهما في ساعة كانتا لا ترجعان فيها، فأنكر شأنهما، وسألهما، فأخبرتاه الخبر، فقال لإحداهما: عليّ به، فرجعت الكبرى إلى موسى لتدعوه، فذلك قوله ﴿فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء﴾ أي: مستحيية معرضة على عادة النساء الخفرات، وقيل: أراد باستحيائها أنّها غطّت وجهها بكمّ درعها.

وعن الحسن، قال: "فوالله ما كانت ولّاجة، ولا خرّاجة، ولكنّها كانت من الخفرات اللاتي لا يُحسنّ المشي بين أيدي الرجال، والكلام معهم".
وهذا أيضاً يُدلِّل على مدى الحياء والخجل الّذي هو من شأن المرأة فطرياً، وهو ما ينبغي تعميمه بين بناتنا وأخواتنا ونسائنا، وهو ما يدعو به إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف لنساء المسلمين "الحياء والعفة".

﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ أي: ليُكافئك على سقيك لغنمنا.
فلم تقل إنّي أدعوك أو إنّا ندعوك بالجمع، بل نسبت الدعوة لأبيها، وهذا أيضاً يُضيء على جانب من جوانب أدب تعاطي المرأة مع الرجل الأجنبيّ.
قال أبو حازم: لما قالت: ﴿لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ ، كره ذلك موسى، وأراد أن لا يتبعها، ولم يجد بدّاً من أن يتبعها، لأنّه كان في أرض مسبعة، وخوف. فخرج معها، وكانت الريح تضرب ثوبها، فتصف لموسى عجزها. فجعل موسى يعرض عنها مرّة، ويغضّ مرّة، فناداها: يا أمة الله ! كوني خلفي، وأرني السمت بقولك..

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ أي: إحدى ابنتيه، واسمها صفورة، وهي الّتي تزوّج بها، واسم الأخرى ليا. وقيل: إنّ اسم الكبرى صفراء، واسم الصغرى صفيراء ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ أي: اتّخذه أجيراً، ولعلّها كانت ترغب فيه زوجاً ولكن بيّن القرآن الكريم ما ينبغي للمرأة من عدم التصريح عند إرادتها لرجل واستبدال التصريح بالتعريض والتلويح، فهي مطلوبة بالفطرة والرجل طالب.
﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين﴾ أي: خير من استعملت من قوي على العمل، وأداء الأمانة. قال شعيب عليه السلام: وما علمك بأمانته وقوّته؟

قالت: أمّا قوّته فلأنّه رفع الحجر الّذي لا يرفعه كذا وكذا. وأمّا أمانته: فإنّه قال لي: إمشي خلفي، فأنا أكره أن تصيب الريح ثيابك، فتصف لي عجزك. وقيل الأمين في غضّ طرفه عنهما، حين سقى لهما، فصدرتا، وقد عرفتا قوّته وأمانته. فلمّا ذكرت المرأة من حاله ما ذكرت زاده ذلك رغبة فيه.

فانظر أيُّها المؤمن لهذه العفّة العظيمة للنبيّ الكريم فإنّه تعفّف حتّى عن النظر غير المقصود الّذي قد يقع عندما يُطلق طرفه، وإنّه تعفّف عن النظر إلى جسم المرأة حتّى من وراء الحجاب والثوب.
في الرواية: "إذا استطعت أن لا تنظر إلى ثوب امرأة فافعل".

﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ﴾ أي: أزوِّجك ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾. وفي هذا الكلام من النبيّ شعيب عليه السلام درس آخر من دروس مراعاة حياء المرأة وكرامتها، حيث ردّد الأمر بين الابنتين لكي لا يخدش حياء البنت المتكلِّمة.

* مواعظ قرانية , سلسلة الدروس الثقافية , نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

1- سورة المائدة، الآية: 48.
2- سورة الاسراء، الآية: 89.
3- سورة القصص، الآية: 23.
4- بحار الأنوار، العلّامة المجلسيّ، ج 16، ص 210.
5- الكافي، الشيخ الكليني، ج 2، ص 79.
6- م.ن. 
7- بحار الأنوار، العلّامة المجلسيّ، ج63، ص315.
8- الكافي، الشيخ الكليني، ج 2، ص 80.
9-شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 20، ص 233.
ا10- لكافي، الشيخ الكليني، ج 2، ص 79. 
11- الكافي، الشيخ الكليني، ج 2، باب العفّة، ص 79.
12- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 68، ص 273.
13- صحيفة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، جمع الشيخ جواد القيومي، ص 18.
14- راجع: سورة القصص، الآيات: 23ـ 28.

التهجــّد في الليل

يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾1

تمهيد
ممّا لا ريب فيه أنّ الذكر والفكر مطيّتا السالك إلى الله تعالى للوصول إلى المقصد والغاية وهي المعرفة والعبادة، فمن أوتي حظّه منهما مشفعاً بتوفيق الباري عزّ وجلّ فقد حاز قصب السبق في مضمار المعرفة والطاعة والعبادة.

ومن أخلّ بأحدهما فقد خاب وخسر بمقدار ذاك الخلل والتقصير، وقصرت همّته عن إدراك الهدف.
وممّا لاشكّ فيه أيضاً أنّ الذكر له مراتب من ناحية الأهميّة والمحبوبية والمطلوبية، فمنه الواجب الّذي لم تُرخِّص الشريعة بتركه كالصلوات اليومية، ومنه المندوب الّذي أجازت الشريعة تركه.

والواجبات هي أفضل ما يتقرّب به العبد إلى الله تعالى. والمستحبّ وإن جوّزت الشريعة تركه إلا أنّه يحتلّ مرتبة عظمى من الأهمية بعد إتمام الفرائض لجهة تقريب العبد من خالقه وإحداث مقتضى المحبّة له، فقد ورد في الرواية - عن حمّاد بن بشير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قال الله عزّ وجلّ:... وما تقرّب إليّ عبد بشيء أحبّ إلي ممّا افترضت عليه وإنّه ليتقرّب إليّ بالنافلة حتّى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الّذي يسمع به وبصره الّذي يبصر به ولسانه الّذي ينطق به ويده الّتي يبطش بها، إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته"2.

فالواجب من العبادات والأذكار مقدّم على المندوب والنوافل، حتّى ورد أنّه:
- "لا قربة بالنوافل إذا أضّرت بالفرائض"3.
- "إذا أضرت النوافل بالفرائض فارفضوها"4.

والمستحبّات أيضاً لها درجات ومراتب من حيث مدى أهمّيتها وقوّة تأثيرها على روحيّة السالك وعلى نسبة رقيّه المعنويّ والمعرفيّ، ومدى تقريبه من الغاية المنشودة وهي نيل الرضا والقرب من المعبود عزّ اسمه.

فالنوافل إذاً ينبغي للمؤمن الحكيم أن يُراعي فيها الأولويات إن أراد الوصول إلى المبتغى، فيعتني عناية شديدة بالمستحبّ الّذي ثبت تأكّده في الشريعة المقدّسة، ولا يُفرّط ولا يتهاون فيه بحال، وبعده في الدرجة المستحبّ مطلقاً.

وما لا يحتاج إلى نقاش في الشريعة المقدّسة أنّ صلاة الليل والتهجُّد والقيام فيه بالمناجاة والدعاء والذكر من آكد المستحبّات الشرعية.

وقد تلقّى السالكون العارفون من العلماء الربّانيين هذا التأكيد من الشريعة بدرجة عالية من الجدّية وبذل الوسع في الاهتمام به والمحافظة عليه، وبالغوا بدورهم بالتوصية به والحثّ عليه لكلّ من أراد أن يسلك طريق المعرفة والطاعة والقرب من البارئ عزّ وجلّ.

وسنذكر فيما يلي ما من شأنه أن يكون حافزاً قوياً لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد لكي يكون في عداد المتهجّدين المداومين على صلاة الليل غير التاركين لها بحال من الأحوال، وسيكون الكلام في عدّة نقاط:

أوّلاً: فضل صلاة الليل في الآيات والروايات
قبل أن نذكر ما لصلاة الليل والتهجّد فيه من فضل لا بُدّ أن نُبيّن ما أشار إليه الإمام الصادق عليه السلام من أنّ صلاة الليل لم يُحدِّد القرآن لها ثواباً كسائر الأعمال الصالحة وما لذلك من دلالة، حيث قال عليه السلام:"ما من عمل حسن يعمله العبد إلا وله ثواب في القرآن إلّا صلاة الليل فإنّ الله عزّ وجلّ لم يُبيّن ثوابها لعظم خطره عنده فقال جلّ ذكره ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ "5 6 .

فمن المعلوم أنّه من أساليب التعظيم لأمر ما، التعبير عنه على نحو الإطلاق من دون تقييد، وفي موردنا إنّ الله تعالى لم يُحدِّد ثواب التهجُّد بجهة أو نوع خاصّ من الثواب وإنّما نفى العلم به، ليكون منطبقاً على أيّ ضرب من ضروب الثواب وهذا غاية الفضل والعظمة والثناء.فهذا انفراد وتمييز لهذه العبادة عن غيرها من القربات إذ لم يذكر لها ثواب محدّد في القرآن الكريم كما ذكر لكلّ من الأعمال الحسنة.

يقول الإمام الخمينيّ قدس سره في هذا المقام:"تُرى ما قرّة العين هذه الّتي يدّخرها الله تعالى ويُخفيها حتّى لا يعلم أحد عنها شيئاً؟
وما يُمكن أن تكون؟

فلو كانت من قبيل "أنهار جارية" و "قصور عالية" ومن نِعَم الجنّة المختلفة، لذكرها الله مثلما بيّن ما للأعمال الأخرى وأطلع الملائكة عليها.
ولكن يبدو أنّها ليست من ذلك السنخ، وأنّها أعظم من أن ينوّه بها لأحد، وخصوصاً لأحد من أهل هذه الدنيا. إنّه لا تُقارن نِعَم ذلك العالم بالنِّعَم هنا، ولا تظننّ أنّ الفردوس والجنان تُشبه بساتين الدنيا، أو ربّما أوسع وأبهى، هناك دار كرامة الله تعالى ودار ضيافته.

فكلّ هذه الدنيا لا شيء إزاء شعرة واحدة من الحور العين في الجنّة، بل ليست شيئاً إزاء خيط من خيوط الحلل الفردوسية الّتي أُعدّت لأهل الجنّة.

ومع كلِّ هذا الوصف لم يجعلها الله ثواب من يؤدّي صلاة الليل، وإنّما ذكرها من باب التعظيم له.

"ولكن هيهات! نحن الضعفاء في الإيمان لسنا من أصحاب اليقين، وإلا لما كنّا نستمرّ في غفلتنا، ونُعانق النوم إلى الصباح. ولو أنّ يقظة الليل تكشف للإنسان حقيقة الصلاة وسرّها، لأنس بذكر الله والتفكّر، ولجعل الليالي مركوبه للعروج إلى قربه تعالى..."7.

أقول: ولو لم يكن إلا هذا لكفى لبيان قدر هذه العبادة وعظمتها عند الله تعالى، كيف وقد استفاضت الآثار الشرعية في مدحها والثناء عليها، وحثّ المؤمنين على إقامتها والمداومة عليها، وهذا بعض ما ورد بهذا الشأن:

قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾8.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾9.

قال إمامنا الصادق عليه السلام في تفسيرها: "قيام الرجل عن فراشه يريد به الله عزّ وجلّ ولا يريد غيره"10.

- وفي قول الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات﴾ِ11 .
قال عليه السلام: "صلاة المؤمن بالليل تذهب بما عمل من ذنب بالنهار"12.

فما أعظمها من فائدة لعمل يمحو الله به بالليل كلّ سيئة اجترحها العبد في النهار، فهذا لازمه أنّ الإنسان إذا أدام صلاة الليل يكون قد ضمن صفاء نفسه من آثار الذنوب المهلكة، وهيّأها لتلقّي الفيوضات الإلهية، والتنسّمات الروحانية، فالمحافظة على طهارة النفس من آثار الذنوب هي ضمانة السعادة الأبدية.

ومدح الله تبارك وتعالى المؤمن الّذي يقوم الليل ويقنت فيه، ويسجد ويسهر في عبادة ربّه حذراً راجياً بقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّه﴾ِ 13

فعن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: "آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، قال عليه السلام: "يعني صلاة الليل"14.

وقد ورد في الرواية أن مورد نزول هذه الآية هو سيّدنا أمير المؤمنين عليه السلام.
وقد أوصاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: "يا عليّ عليك بصلاة الليل، عليك بصلاة الليل، عليك بصلاة الليل"15.
كرّرها ثلاثاً وهذا أيضا غاية في المبالغة والتأكيد على فعلها وعدم التهاون بشأنها.

صلاة الليل تُفيد فائدة الاستغفار بالأسحار
صلاة الليل مشتملة على الاستغفار بالأسحار، الّذي حثّ الله عزّ وجلّ عليه، وقد ذكر في كتابه العزيز المستغفرين بالأسحار بالثناء الجميل حيث قال عزّ من قائل: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَار﴾ .16

فعن صادق أهل البيت عليهم السلام في تفسير الآية الكريمة، قال عليه السلام:"المصلّين وقت السحر"17. وقال عليه السلام: "من استغفر سبعين مرّة في وقت السحر فهو من أهل هذه الآية"18.

وقال تعالى في معرض توصيفه لأهل الجنة: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ 19.
وعن إمامنا الصادق: قال: "استغفر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الوتر سبعين مرة"20.
وعن إمامنا أبي جعفر الباقر عليه السلام: "من داوم على صلاة الليل والوتر واستغفر الله في كلّ وتر سبعين مرّة، ثمّ واظب على ذلك سنة كتب من المستغفرين بالأسحار"21.

والمستغفرون بالأسحار لهم بركات عظيمة تعمّ وتشمل حتّى أصحاب الذنوب، حيث إنّ الله تعالى يدفع بهم "المستغفرين بالأسحار" العذاب الّذي استوجبه أهل المعاصي بمعاصيهم. اسمع إلى ما ورد عن النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله عزّ وجلّ إذا رأى أهل قرية قد أسرفوا في المعاصي، وفيها ثلاث نفر من المؤمنين ناداهم جلّ جلاله وتقدّست أسماؤه: يا أهل معصيتي لولا ما فيكم من المؤمنين المتحابّين بجلالي العامرين بصلاتهم أرضي ومساجدي، المستغفرين بالأسحار خوفاً منّي، لأنزلت بكم عذابي ثمّ لا أبالي"22.

فالذي يُصلّي الليل يكتبه الله تعالى من المستغفرين بالأسحار الّذين عظّمهم الله تعالى في كتابه العزيز، ويجني كلّ ما ترتّب من ثمرات وثواب على الاستغفار في السحر.

ثانياً: من آثار صلاة الليل الأخروية
1- تجير من عذاب القبر ومن النار
قال الإمام الرضا عليه السلام: "عليكم بصلاة الليل فما من عبد مؤمن يقوم آخر الليل فيُصلّي ثمان ركعات وركعتي الشفع وركعة الوتر، واستغفر الله في قنوته سبعين مرّة إلا أُجير من عذاب القبر ومن عذاب النار"23.

2- مباهاة الله به الملائكة والمغفرة له
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا قام العبد من لذيذ مضجعه والنعاس في عينيه ليرضي ربه تعالى بصلاة ليله باهى الله تعالى به الملائكة، وقال: أما ترون عبدي هذا قد قام من لذيذ مضجعه لصلاة لم أفترضها عليه؟ اشهدوا أنّي قد غفرت له "24.

3- يقوم المتهجّدون يوم القيامة ويُحاسب الناس من بعدهم
قال صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا جمع الله الأولين والآخرين نادى منادٍ ليقم الّذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربّهم خوفاً وطمعاً، فيقومون وهم قليلون ثمّ يُحاسب الناس من بعدهم"25.

ثالثاً: آثار صلاة الليل الدنيويّة
1- تحسين الوجه في النهار
قال الصادق عليه السلام: "من صلّى بالليل حسن وجهه بالنهار"26.
وسأله عبد الله بن سنان عن قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُود﴾ِ27 فقال عليه السلام: "هو السهر في الصلاة"28.


وقد سُئل عليه السلام: ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجهاً؟
قال عليه السلام: "لأنّهم خلوا بالله فكساهم الله من نوره"29.

2- شرف المؤمن قيام الليل
نزل جبرائيل عليه السلام على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: "يا جبرائيل عظني فقال يا محمّد عش ما شئت فإنّك ميّت، وأحبب من شئت فإنّك مفارقه، واعمل ما شئت فإنّك ملاقيه. شرف المؤمن صلاته بالليل، وعزّه كفّ الأذى عن الناس"30.

3- مطردة للداء عن الأجساد
قال الإمام الصادق عليه السلام: "عليكم بصلاة الليل فإنّها... مطردة الداء عن أجسادكم"31.

4- بيوت المتهجّدين تُضيء لأهل السماء
وروى عنه الفضيل بن يسار أنّه قال: "إنّ البيوت الّتي يُصلّى فيها بالليل بتلاوة القرآن تُضيء لأهل السماء كما تُضيء نجوم السماء لأهل الأرض"32.

5- توسّع المعيشة، وتزيد في الرزق، وتُطيل العمر
قال الإمام الرضا عليه السلام: "عليكم بصلاة الليل فما من عبدٍ مؤمن يقوم آخر الليل فيُصلّي ثمان ركعات وركعتي الشفع وركعة الوتر، واستغفر الله في قنوته سبعين مرة إلا أجير من عذاب القبر ومن عذاب النار، ومُدّ له في عمره ووسّع عليه في معيشته"33.

- وجاء رجل إلى أبي عبد الله عليه السلام فشكى إليه الحاجة فأفرط في الشكاية حتّى كاد أن يشكو الجوع، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: يا هذا أتُصلّي بالليل؟ فقال الرجل: نعم، فالتفت أبو عبد الله عليه السلام إلى أصحابه فقال: "كذب من زعم أنّه يُصلّي بالليل ويجوع بالنهار، إنّ الله تبارك وتعالى ضمن بصلاة الليل قوت النهار"34.

- وعن أبي بصير قال: شكوت إلى أبي عبد الله عليه السلام الحاجة وسألته أن يُعلّمني دعاء في طلب الرزق فعلّمني دعاء ما احتجت منذ دعوت به، قال: قل في دبر صلاة الليل وأنت ساجد: "يا خير مدعو ويا خير مسؤول ويا أوسع من أعطى ويا خير مرتجى ارزقني وأوسع عليّ من رزقك وسبِّب لي رزقاً من قبلك، إنّك على كلّ شيء قدير"35.

6- يدفع بالدعاء في صلاة الليل شرّ الأعداء
عن يونس بن عمّار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنّ لي جاراً من قريش من آل محرز قد نوّه باسمي وشهرني كلّما مررت به، قال: هذا الرافضيّ يحمل الأموال إلى جعفر بن محمّد، قال: فقال لي عليه السلام:"فادع الله عليه إذا كنت في صلاة الليل وأنت ساجد في السجدة الأخيرة من الركعتين الأوليين فاحمد الله عزّ وجلّ ومجّده وقل: اللهم إنّ فلان بن فلان قد شهرني ونوّه بي وغاظني وعرّضني للمكاره، اللهم اضربه بسهم عاجل تُشغله به عنّي اللهم وقرّب أجله واقطع أثره وعجّل ذلك يا ربّ الساعة الساعة".

قال: فلما قدمنا الكوفة قدمنا ليلاً فسألت أهلنا عنه قلت: ما فعل فلان؟
فقالوا: هو مريض فما انقضى آخر كلامي حتّى سمعت الصياح من منزله وقالوا: قد مات36.

رابعاً: تحذيران
1- يدأب الشيطان في أن يترك المؤمن قيام الليل
قال أبو جعفر وأبو عبد الله عليهما السلام:"ما من عبد إلا وهو يتيقّظ مرّة أو مرّتين في الليل أو مراراً فإن قام وإلا لجّ فبال الشيطان في أذنه ألا ترى أحدكم إذا كان منه ذلك قام ثقيلاً كسلانَ"37.

وعن الباقر عليه السلام: "إنّ لليل شيطاناً يُقال له الرها فإذا استيقظ العبد وأراد القيام إلى الصلاة قال له: ليست بساعتك، ثمّ يستيقظ مرّة أخرى فيقول: لم يأن لك فما يزال كذلك يزيله ويحبسه حتّى يطلع الفجر فإذا طلع الفجر بال في أذنيه، ثمّ انصاع يمصع بذنبه فخراً ويصيح"38.

2- لا ينبغي للمؤمن أن يترك صلاة الليل بحال من الأحوال
قال الإمام الصادق عليه السلام: "ليس من شيعتنا من لم يصلِّ صلاة الليل"39.
وهذا معناه أنّه ليس من شيعتهم المخلصين المقرّبين، وهو غاية المبالغة في الدفع نحوها والتحفيز على القيام بها وعدم تركها.
وليس من شيعتهم أيضاً من لم يعتقد فضل صلاة الليل وأنّها سنّة مؤكّدة.

فلا ينبغي لك أيّها المؤمن أن تترك صلاة الليل في حضرٍ أو سفر، في فراغٍ أو شغل، في قوّة أو ضعف، في صحّة أو مرض، في راحة أو تعب، في شتاء أو صيف، في حرٍّ أو برد، لما لهذه الشعيرة من آثار على دين المرء ودنياه، فمن أراد النجاة من عذاب القبر ودواهيه وظلمته فإنّ قيام الليل بمثابة السراج الّذي يُنير له ذاك المقام في البرزخ، ومن أراد في الدنيا الرزق واليمن والتوسعة، والعمر المديد، فإنّ صلاة الليل توصله إلى ذلك كلّه، ومن أراد الآخرة والمقام المحمود فيها والنجاة من حسابها وأهوالها فعليه بصلاة الليل فإنّه واجد ذلك كلّه.

ومن علم ذلك كلّه وتهاون في هذه العبادة الجليلة فإنّ أدنى ما يقال فيه إنّه غير موفّق، وقد يُقال إنّه ضعيف اليقين والإيمان بالغيب، فعليه أن يبذل قصارى جهده لتقوية إيمانه ويقينه، ودفع الشيطان عنه، ورياضة النفس الأمارة بالسوء المحبّة للراحة والاسترخاء لكي يطوِّعها فتكون تحت حكم العقل والشرع لينال سعادة الدارين إن شاء الله.

التوسعة في البدائل
وإنّ الشريعة قد جعلت تسهيلات كبيرة جدّاً وكثيرة من خلال جعل البدائل عند الاضطرار بل حتّى اختياراً، لكي لا يتذرّع المكلّف بشيء لترك صلاة الليل، أي لتضمن إتيان المكلّف بها والمداومة عليها دون أن يكون عنده أيّ عذر لتركها.

فصلاة الليل مشروعة أداءً وقضاء وتقديماً عن وقت الأداء. وهناك تدرُّج في الفضيلة في أوقات الأداء، فأفضل أوقاتها السحر وكلّما اقتربت من الفجر كان أفضل، ويُمكن إقامتها أداءً ابتداءً من منتصف الليل، ويُمكن تفريقها بأن يؤخّر ركعتي الشفع وركعة الوتر إلى السحر قبيل الفجر.

ومن فاتته في وقت الأداء فإنّه يُستحبّ له قضاؤها، بل ورد في الرواية عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "كان عليّ بن الحسين عليه السلام يقول: إنّي لأحبّ أن أدوم على العمل وإن قلّ، قال: قلنا: تقضي صلاة الليل بالنهار في السفر؟ قال: نعم"40.

وعن صفوان الجمّال قال: كان أبو عبد الله عليه السلام يُصلّي صلاة الليل بالنهار على راحلته أينما توجّهت به41. 
وعن الإمام الصادق عليه السلام: "قضاء صلاة الليل بعد الغداة وبعد العصر من سرّ آل محمّد المخزون"42.

فالقضاء مشروع في الليل والنهار وفي الليل أفضل.
والقضاء أفضل من التقديم عن منتصف الليل.

ويجوز الاقتصار على الشفع والوتر.
ويجوز تقديمها عن وقتها، أي أن يأتي بها قبل منتصف الليل، وذلك لعدّة طوائف:
الذي يخاف الاحتلام، والذي يخاف أن لا يستيقظ، والمسافر الّذي يخاف فوتها.

- وتجوز من جلوس ولمن لا يقدر على القيام فله أن يُصلّي نافلة الليل من جلوس، بل له الصلاة من جلوس اختياراً، إلا أنّه يُستحبّ عندئذ أن يجعل كلّ ركعتين ركعة واحدة.

- يُشرع أداؤها راكباً ويجوز أداؤها حتّى وإن كان ماشياً أو راكباً على دابّته، وإن لم يكن مستقبل القبلة، فيما إذا كان على طهارة:

- روى محمد بن مسلم قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: "صلِّ صلاة الليل والوتر والركعتين في المحمل"43.
- وعن صفوان الجمّال قال: "كان أبو عبد الله عليه السلام يُصلّي صلاة الليل بالنهار على راحلته أينما توجهت به"44.

أخي العزيز هل بقي لك من عذر بعد معرفة عظمة ثواب وآثار هذه الطاعة والموهبة الربانية، وبعد التعرُّف إلى هذه التسهيلات والخيارات المتعدِّدة الّتي أتاحتها الشريعة المقدّسة للمكلّفين كي لا تفوت عليهم آثار هذه الشعيرة الإلهية الراقية؟

أعد النظر وفكِّر واشحذ سيف الهمّة والإرادة واعزم على البدء فوراً بصلاة الليل واستعن بالله تعالى فإنّه هادٍ لمن استهداه ومعين لمن استعانه، وما توفيقنا إلّا منه تعالى عليه توكّلنا وإليه المصير.

ولا تُحي الليل باللهو واللغو على التلفاز والإنترنت، فيضيع عمرك وتضيع آخرتك.

خامساً: تأكيد العلماء الربّانيين على صلاة الليل، قولاً وعملاً
العلماء الربّانيون أكّدوا على المداومة على صلاة الليل وعلى عدم تركها، حتّى أنّهم صرّحوا بأنّ السالك لا يصل إلى المقامات الروحانية العرفانية إلا إذا كان مؤدّياً لصلاة الليل، يقول المرحوم الملكيّ التبريزيّ:

وحكى لي شيخي في العلوم الحقّة: "أنّه ما وصل أحد من طلّاب الآخرة إلى شيء من المقامات الدينيّة إلا إذا كان من المتهجّدين".

- يقول العلّامة الطباطبائيّ قدس سره: "عندما تشرّفت بالنجف الأشرف للدراسة ونظراً لقرابة الرحم، كنت أحياناً أتشرّف بزيارة المرحوم القاضي وذات يوم كنت واقفاً في مدرسة في النجف فمرّ المرحوم القاضي من هناك وعندما وصل إليّ وضع يده على كتفي وقال: يا بنيّ إذا كنت تُريد الدنيا فصلِّ صلاة الليل وإذا كنت تُريد الآخرة فصلِّ صلاة الليل.قد أثّر فيّ هذا الكلام إلى حدّ أنّي بعد ذلك وطيلة خمس سنوات رجعت بعدها إلى إيران لم أترك مجلس السيّد القاضي".

- زينب عليها السلام ليلة الحادي عشر لم تترك صلاة الليل.سبحان الله ما أعظم هؤلاء الّذين صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحلّ الأعلى، إنّهم أولياء الله حقّاً والحوراء زينب عليها السلام من رموزهم.

في ليلة الحادي عشر وما أدراك ما ليلة الحادي عشر؟
نساء وأطفال، أرامل ويتامى، ذعر.. رعب.. قلق.. فقدان للحامي.. فقدان للرأفة والرحمة من القلوب الجافية الغليظة الّتي لم يبق فيها ذرّة من إنسانية، جوع، عطش، نظر إلى المجهول...

أجساد مطرّحة على وجه البيداء لا تزال تنزف مزمَّلة بدمائها..في هذه الأجواء.. الّتي بمجرّد تصوّرها يدخل الرعب، والألم، والأسى في القلب، كانت زينب عليها السلام وما أدراك ما زينب وما كان دور زينب؟

هي قائدة قافلة الأسرى والحارسة لها..
هي الراعية والحاضنة للأطفال واليتامى.. والجامعة لهم بعد أن هاموا على وجوههم في البيداء...
هي المتعثّرة بأذيالها متردّدة من جهة إلى جهة..

السياط تتلوّى على متنيها.. الأشواك تُدميها.. قلبها يلتهب ناراً..
في هذا الخضمّ وهذه الأجواء الّتي كلّ ما فيها يدعو إلى الرهبة والألم والقلق والتي كان الجهد فيها والضنك والتعب يستوعب الكيان ويهدّ الأركان توجّهت زينب إلى ربّها ولم تترك صلاة الليل، إلا أنّها كانت منهكة في جهد لا يوصف، فلم تطق بأبي وأمي أن تؤدّي صلاة ليلها من قيام، لم يكن لديها طاقة على القيام، ولكن لم يصدّها ذلك عن إقامة الصلاة، فصلّت صلاة الليل من جلوس.

سلام الله عليك يا زينب...
اللهم اجعلنا من محبّيها وارزقنا التأسّي بها واحشرنا معها يا ربّ العالمين.

-الإمام الخمينيّ قدس سره وصلاة الليل
يقول أحد المقرّبين من الإمام الخمينيّ قدس سره: إنّه منذ خمسين سنة لم يترك صلاة الليل في حال الصحة أو المرض، في السجن وفي الأحوال الاعتيادية، أثناء النفي وحتى على سرير المرض كان يُصلّي صلاة الليل.

مرض قدس سره في قُمّ وبناء على أمر الأطباء كان لا بُدّ أن ينتقل إلى طهران. وكان الجو بارداً وكان الثلج والمطر يتساقطان، والجليد يُغطّي الشوارع، وبقي قدس سرهعدّة ساعات في سيارة الإسعاف، وبعد الوصول إلى مستشفى القلب صلّى أيضاً صلاة الليل.

- وفي ليلة قدومه من باريس إلى طهران كان الجميع في الطائرة نياماً بينما الإمام قدس سره كان في الطبقة العليا من الطائرة يُصلّي صلاة الليل...وكان يبكي بحيث إنّ مضيفي الخطوط الفرنسية تعجّبوا وسألوا هل هناك ما يؤذيه..

فقال أحد من كان يرافقه إنّها عادته في كلّ ليلة.
- وعندما اعتقل في قُمّ ونُقل إلى السجن زمن الشاه صلّى صلاة الليل بحيث قد أبكى بعض من كان معه..!

* مواعظ قرانية ، سلسلة الدروس الثقافية ، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

1- سورة الإسراء، الآية: 79.
2- الكافي، الشيخ الكليني، ج 2، ص 352.
3- نهج البلاغة، قصار الحكم، 39.
4- نهج البلاغة، قصار الحكم، 279.
5-سورة السجدة، الآيتان: 16ـ 17.
6- التفسير الصافي، الفيض الكاشاني، ج 4، ص 156.
7- الأربعون حديثاً، الإمام الخميني قدس سره، ص 323- 233.
8- سورة الإسراء، الآية: 79.
9- سورة المزمل، الآية: 6.
10- الوسائل، الإسلامية، ج5، 269.
11- سورة هود، الآية: 114.
12- من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج 1، ص 473.
13- سورة الزمر، الآية: 9.
14- الكافي، الشيخ الكليني، ج 3، ص 444.
15- من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج 1، ص 484.
16- سورة آل عمران، الآية: 17.
17- التفسير الأصفى، الفيض الكاشاني، ج 1، ص 142.
18- م.ن.
19- سورة الذاريات، الآيتان: 17ـ 18.
20- تفسير العياشي، محمد بن مسعود العياشي، ج 1، ص 165.
21- م.ن. ج1، ص 165.
22- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 7، ص 381.
23- روضة الواعظين، الفتال النيسابوري، ص 320. 
24- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج8، ص157.
25- إرشاد القلوب، الديلمي، ص86.
26- الهداية، الشيخ الصدوق، ص 150.
27- سورة الفتح، الآية: 29.
28- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 8، ص 152.
29- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 8، ص 157.
30- من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج 1، ص 471. 
31- م.ن، ص 472.
32- م.ن، ص 473.
33- روضة الواعظين، الفتال النيسابوري، ص 320.
34- من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج 1، ص 474
35- الكافي، الشيخ الكليني، ج 2، ص 551.
36- م.ن، ص 512.
37- روضة الواعظين، الفتال النيسابوري، ص 321.
38- م.ن، ص 321.
39- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 8، ص 162.
40- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 4، ص 92.
41- م.ن، ص 92.
42- وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج3، 185.
43- م.ن، ج 4، ص 90.
44- م.ن، ص 92.

الاثنين، 16 نوفمبر 2015

الحبّ الإلهيّ للمجاهدين ((زاد عاشوراء))

الحبّ الإلهيّ للمجاهدين
((زاد عاشوراء))

﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾1.


سنّة ابتلاء المؤمنين بالقتال:

قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾2.

هذه الآية من سورة الحديد تتحدّث بالجملة عن أنّ سنّة الله من الهداية للبشر هي إرسال الرسل مع الحجج المقنعة والدلائل المؤكّدة كالمعجزات، وذلك ليؤمن النّاس وليصدّقوا بنبوّة الأنبياء ورسوليّة الرسل، ويستجيب النّاس للمشروع الإلهيّ للحياة البشريّة، ولذا من السنن الإلهيّة أن يرسل مع النبيّين والمرسلين الكتب السماويّة والقوانين المنظّمة للحياة البشريّة.

والأصل في ذلك أسلوب الإقناع من خلال الأدلّة والبراهين، والهدف جعل تطبيق المشروع الإلهيّ عمليّاً على عاتق النّاس، وكما يحتاج المشروع إلى قائد ودستور إلهيّين كذلك لا يستقيم إلّا بمعونة وإستجابة من الجماهير والأمم وهذا يعني أنّ إجراء القوانين الإلهيّة وحمل المشروع الإلهيّ منوط بتحمّل النّاس له عن حرّيّة واختيار.

ومعنى ذلك أنّ دعوة الأنبياء وحركاتهم ستلاقي أنصاراً لكنّها كذلك ستلاقي أعداء، وقد تصل الأمور بين الطرفين إلى الحرب والقتال، ولذلك كانت الإشارة إلى إنزال الحديد مع الإشارة إلى البأس الذي منه.

وقد كشف المولى عن سرّ المشيئة الإلهيّة في ذلك، وهو ظهور أنصار الحقّ أنصار دين الله من غيرهم، ذلك أنّه في الأمن والدّعة والسلام والسلامة قد يكون كلّ نصيراً للحقّ ولدين الله، ولكن ثمّة مرتبة راقية من الإيمان والصدق فيه محكّها الجهاد والقتال، وهؤلاء المجلّون في حركة الرسل تكشف معادنهم الحرب وهذا ما أشار إليه تعالى بقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾3.


الربيّون نموذج قرآنيّ:

لقد أورد الله تعالى في كتابه الكريم الكثير من القصص ليثبّت به قلب النبيّ وقلوب المؤمنين، ومن النماذج التي ذكرها لتكون أسوة لهم الربيّون حيث قال تعالى عنهم: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾4. 

لقد اختار الله لمجموعة المؤمنين حقّاً بالانبياء ورسالاتهم اسماً خاصّاً هو الربيّون، وفي معنى هذا الاسم والوصف قال صاحب تفسير الميزان: الربيّون جمع ربّيّ وهو كالربّانيّ، من اختصّ بربّه تعالى فلم يشتغل بغيره.

فهم على ذلك مخلصون له في الإيمان بالرسل والرسالات، ومتفاعلون معها بالإعانة للرسل في مهامهم وتحمّل مشاقّ هذه المعونة، ومن جملة هذه المعونة القتال والجهاد.


الحبّ الإلهيّ عاقبة الجهاد:

لقد ذكرت الآيات مرتبتين للحبّ الإلهيّ الذي حصل عليه المخلصون لله في إيمانهم ذلك الإيمان الذي يتجلّى في تحمّل مسؤوليّة الدفاع عن الرسل والرسالات بالأنفس قتالاً، والمقامان هما:

1- مقام الصابرين:

تشير الآيات إلى أنّ الربيّين بادروا إلى القتال وكان من مواصفات قتالهم:

- القتال تحت قيادة القائد الإلهيّ: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِير﴾.

- الثبات المعنويّ والنفسيّ والروحيّ، ولذا فقد نفى الله عنه الوهن، حيث لم يؤثّر في حماسهم ومعنويّاتهم، وروحيّتهم، وبالتالي عزائمهم معاناة الجهاد ومشاقّه وتكاليفه حيث قال تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ...﴾ ليضيف بما يشبه التحليل أنّ ذلك: ﴿...فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ فهم لا تضعف معنويّاتهم لأنّ ما يصيبهم هو سبيل الله.

- عدم الضعف الماديّ: فكما أنّ أرواحهم وأنفسهم لا تضعف كذلك أبدانهم لا تضعف في ميادين المواجهة.

- لا يتوقّفون عن الحركة: فتحمّلهم لما يصيبهم من أهوال القتال وآلام الجراح وغير ذلك لا يعني فقط الصمود بعدم التراجع والثبات، وإنّما بدوام الحركة باتّجاه الأهداف والمواقع، ولذا قال تعالى: ﴿...وَمَا اسْتَكَانُواْ﴾.

نتيجة هذا كلّه ينالون حبّ الله لأنّهم بعدم الوهن وعدم الضعف ودوام الحركة قد وفّقوا لتحقيق صفة الصبر التي تجعلهم محبوبين لله تعالى إذ قال: ﴿وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِين﴾.

2- مقام المحسنين:

ثمّة درجة أرقى من الصبر ومنزلة حبّ إلهيّ أعلى من محبّة الصابرين وهي للمحسنين وفي ذلك نستفيد من الآيات ما يلي:

- الصبر: يفتح باب الموفّقيّة لدعائه تعالى، أو أنّ الله أراد الإشارة أنّ مكابدة آلام القتال وأهواله لم تنس هؤلاء الله بل كان سبباً في توجّههم إليه في الدعاء وهذا ما يشعر به قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ...﴾ أي أنّهم لم يتذمّروا ويسيؤوا الظنّ به تعالى بل لجؤوا إليه بالدعاء.

- التوجّه إلى ربوبيّة الله ومدبّريّته ونسبة أنفسهم إلى ربوبيّته، فهم مربوبون ولهم ربّ هو الله وإليه من هذا الموقع يتوجّهون.

- يحذرون ممّا يمنع من إستجابة الله للدعاء: لذلك يقدّمون طلب المغفرة تواضعاً أوّلاً، وثانياً لإزالة المنفّرات عن سماع المولى لدعائه وهي روائح الذنوب.

- بعد رفع موانع الإجابة يطلبون الحاجة وهي النّصر والتثبيت، وفي ذلك حكمة منهم واضحة فقد طلبوا التثبيت وعدم الانهزام، ثمّ عقّبوا ذلك بطلب النّصر فقالوا: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين﴾.

- نتيجة الجهاد والصبر والدعاء يوجد أمور ثلاثة:

1- ثواب الدنيا وهو التثبيت والنّصر.
2- حسن ثواب الآخرة.
3- الحبّ الإلهيّ.


خاتمة: الحبّ الأرقى للمحسنين:

تشير الآيات أخيراً إلى أنّه ثمّة مرتبة راقية من حبّ الله، يمنحها الله تعالى ويفيضها، ويلبسها المخلصين في قتال أعدائه وأعداء رسله وأعداء رسالاته وذلك لأنّهم محسنون، إذ يقول: ﴿وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فالمقام الأوّل كان لهم لتجسيدهم صفة الصبر في النّفوس بعدم التراجع الروحيّ والمعنويّ، وفي الأجساد بعدم الضعف والاستمرار بالحركة والعمل، وأمّا الثانية التي هي أرقى - والأولى ممرّ ومقدّمة لها - حصلت لهم وارتقوا إليها لأنّهم ضمّوا إلى الصبر اللجوء إلى الله تعالى، فبعد تحقيق الصمود في وجه الأعداء صمدوا إلى الله بحوائجهم فصاروا بذلك في زمرة المحبوبين لله لأنّهم بذلك صاروا محسنين.
1- سورة آل عمران، الآية: 146.
2- سورة الحديد، الآية: 25.
3- سورة الحديد، الآية: 25.
4- سورة آل عمران، الآية: 146- 148.

خطر وعّاظ السلاطين ((زاد عاشوراء))

 خطر وعّاظ السلاطين
((زاد عاشوراء))

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا، قيل: يا رسول الله، وما دخولهم في الدنيا؟ قال: إتباع السلطان فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم"1.


بالعلم تنقشع الظلمات:

قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾2.

لقد حدّد الله في هذه الآية من سورة الجمعة المباركة مجموعة وظائف كلّف بها النبيّ لتحقيق الهدف الإلهيّ للبعثة وهو إخراج النّاس من الظلمات إلى النور، ومن هذه المقدّمات الموصلة إلى هذا الهدف تعليم النّاس الذي به يخرجون من ظلمات الجهل إلى نور العلم، بإنارة عقولهم، كما عمل على تربية النّفوس لإنارة هذه النّفوس وقلوبها، فهناك ظلمات أخرى متأتّية من أمراض تعتري الأفراد والجماعات من الانحرافات السلوكيّة، والانحرافات في ممارسة الاجتماع الإنسانيّ، من العصبيّات وغير ذلك.

إلّا أنّ أسوأ الظُّلمة ظُلمة القلب، وأساس كلّ ظلمة، ظلمة العقل، فإذا تشوشّت الأمور عند العقل فإنّ الإنسان يفقد وضوح الصورة، خصوصاً بالنسبة إلى الله سبحانه تعالى، فإنّه يفقد الصورة الصحيحة والواضحة للإنسان ودوره ووظيفته. فحينها لا بدّ أن يكون سيره على غير الطريق الموصل إلى الأهداف المتوخّاة من أصل وجود الإنسان، وهو معرفة الله وعبادته، كما أنّ من أهداف الإسلام نظم الحياة والعلاقات وتقديمها بما يجعل الحياة ظرفاً مملوءاً بالنّور من خلال إشراقة العلم المتحوّل عملاً وسلوكاً، فلا بدّ من التعلّم لمعرفة المنظومة الضابطة لسلوك الإنسان فرداً وجماعة بما يجعلهما مستقيمين في علاقاتهم وأعمالهم، وأخلاقهم ومسؤوليّاتهم في طريق السعي نحو الأهداف، وعليه فالعلم إنّما يكون للعمل هنا، وحتّى العلم الذي يعنى بمعرفة الله، هذا العلم الثاني هو وسيلة تحوّله إلى عمل، والمشكلة دائماً كانت في أحد أمرين: إمّا تخبّط الإنسان في الجهل وظلماته قاعداً عن تحصيل العلم، وإمّا في تخلّف العمل عن العلم وهو نحو آخر مموّه شيئاً عن التخبّط في ظلمات الجهل.


من هم معلّمو البشر؟

لا شكّ كما قدّمنا أنّ أصل هذه المسؤوليّة وهذه الوظيفة تقع على عاتق الأنبياء والأولياء عليهم السلام ولكنّهم قلّدوها العلماء كما في مدلول الحديث الشريف: "العلماء ورثة الأنبياء"3.

فعلى عواتقهم تقع مسؤوليّة بثّ العلم وترويجه، وكذلك عليهم مسؤوليّة ضرب النموذج العمليّ لمن يتحمّل هذا العلم، ليكونوا نماذج بسلوكهم وأخلاقهم تدعو إلى الله والحقّ. وكان حرام عليهم كتم العلم والقعود عن بيانه عند الحاجة إليه. وعليهم مسؤوليّة إمساك قلوب النّاس عند هبوب رياح الضلال والشكوك.

وكلّ ذلك يفترض قرنه بالعمل كما جاء في الحديث الشريف: "العلم يهتف بالعمل فإن أطاعه وإلّا ارتحل عنه"4.

وممّا جاء عن الإمام الباقر عليه السلام: "إذا سمعتم العلم فاستعملوه، ولتسع قلوبكم فإنّ العلم إذا كثر في قلب رجل لا يحتمله قدر الشيطان عليه فإن خاصمكم الشيطان فأقبلوا عليه بما تعرفون، فإنّ كيد الشيطان كان ضعيفاً"، فقلت وما الذي نعرفه؟ قال عليه السلام: "خاصموه بما ظهر لكم من قدرة الله عزَّ وجلَّ"5.


وعّاظ السلاطين:

ولقد أضاءت سماء العلم والعمل، والتبليغ، بكواكب من العلماء الأفذاذ العاملين بعلمهم، والواعظين بسيرتهم، فغدوا قدوات في طريق الهدى يتمثّلها النّاس، لكن ثمّة آخرون سقطوا وقد ذكر لنا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة والقرآن نماذج من هؤلاء المنحرفين من ذوي العلم، وممّا جاء في التنزيل في حقّ أحدهم: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾6.

وخلاصة ما أرادته الآيات عن هذا الذي كما يروى أنّ اسمه بلعم بن باعورا كان من قوم موسى وبلغ من المقام أنّه كان يعرف بعضاً من أحرف الاسم الأعظم لكنّ الشيطان أوغر قلبه حسداً فأراد أن يدعو على وليّ الله أو نبيّ الله فأصبح كما وصف القرآن.

والآيات تقول إنّه كان عالماً لكنّه في لحظة خرج لبوس علمه ومقتضى معرفته بأن أراد بها ما يرمز إليه الإخلاد إلى الأرض من طلب الدنيا بعلمه ومعرفته، مع أنّ من شأن هذا العلم أن يرفعه في درجات السموّ إلى العلياء، بمعنى آخر أطاع ترابيّته وعصى روحانيّته.

ومن أهمّ ما ابتلي به الإسلام ولا يزال طائفة من حاملي العلم موسومون بأنّهم علماء البلاط ووعّاظ السلاطين الذين يقومون بتسخير علومهم في خدمة الحكّام والظلَّام.


حقيقة حركة وعّاظ السلاطين:

1- خداع النّاس بالعلم:
إنّ للعلم سحره الأخّاذ الذي يؤثّر في العقول والنّفوس، ولئن كان السحرة يسحرون أعين النّاس فإنّ بضاعة هؤلاء التي يتسلّطون بها على النّفوس ليست حبالاً ولا عصيّاً وإنّما هي العلم، فيستغلّون جاذبيّة العلم وقداسته وقداسة العلماء ليجعلوا منهما بريقاً يخطف أبصار النّاس وعقولهم، فيلبسون الحقّ بالباطل ويخدعون النّاس، وهؤلاء بما يوهمون النّاس أنّه من العلم يكوِّنون لهم وعياً زائفاً عدّته زيّهم وأسلوب كلامهم المنمّق المدبّج.

2- استغلال ثقة النّاس:
لقد بنى العلماء المقدّسون الصالحون في ضمير البشريّة مقاماً شامخاً للعلم والعلماء، ممّا أورثهم على طول المسيرة البشريّة وعلى امتداد الأجيال ثقة وإجلالاً واحتراماً وحتّى قداسة، فوعّاظ السلاطين والفاسدون من العلماء يستغلّون هذه الثقة ويجعلونها رأس مالهم الذي به يدخلون إلى مشاعر النّاس وعقولهم وقلوبهم ويؤثّرون فيها، وذلك ليأكلوا الدنيا فيشترونها ويجعلون علمهم ثمناً لهذه الدنيّة وسلّماً يرتقون به مناصبها.

3- علم حقّ وعمل باطل:
إنّ الكثير من وعّاظ السلاطين يملكون معرفة صحيحة، لكنّهم يسيرون بخطى الباطل، لأنّ أهواءهم حدّدت لهم أهدافهم، وشهواتهم قائدهم إليها، ففي الوقت الذي يملكون معرفة بالله والشريعة في عقولهم لكن قلوبهم مأوى الشياطين كما جاء عن النبيّ الأكرمصلى الله عليه وآله وسلم: "أوحى الله إلى داود عليه السلام، لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً بالدنيا فيصدّك عن طريق محبّتي، فإنّ أولئك قطّاع طريق عبادي المريدين، إنّ أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة مناجاتي عن قلوبهم"7.


خاتمة: وعّاظ سلاطين في كربلاء:

ولقد ابتليت النهضة الحسينيّة بنماذج من وعّاظ السلاطين وهم كثر، إلّا أنّ من أبرزهم كان شريح القاضي، الذي كان له دور في تخذيل النّاس عن مسلم بن عقيل، من خلال استغلال منصبه كقاضٍ، فعمل على إخماد ثائرة المذحجيّين بالكذب عليهم حتّى لا يقتحموا دار الإمارة، فصدّقوا كذبه وأيمانه المغلّظة وتفرّقوا، وتمّ استفراد هانئ بن عروة، ومن بعده مسلم، وأُخمدت الثورة المناصرة لحركة الإمام الحسين عليه السلام وكانت هذه الخطوة هي الخطوة الرئيسيّة التي بعدها تخاذل النّاس عن مسلم وعن الحسين عليه السلام وأدّى ذلك إلى أن دانت الكوفة وسلّمت قيادها لابن زياد.

فكان لشريح نصيب في دم شهداء النهضة الحسينيّة لا يقلّ عن نصيب ابن زياد وابن سعد واضرابهما (لعنهم الله جميعاً).

* كتاب زاد عاشوراء، إعداد معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- أصول الكافي، ج1، ص46.
2- سورة الجمعة، الآية 2.
3- أمالي الصدوق، ص 116.
4- أصول الكافي، ج1، ص44.
5- أصول الكافي، ج1، ص45.
6- سورة الأعراف، الآيتان 175 - 176.
7- أصول الكافي، ج1، ص46.

السبت، 14 نوفمبر 2015

إخوان الصدق

إخوان الصدق


أـ خير الأخوان

1ـ المحبّ في الله تعالى:
عن أمير المؤمنين عليه السلام: "خير الإخوان من كانت في الله مودّته"2.
وعنه عليه السلام: "خير الإخوان من لم تكن على الدنيا أخوّته"3.

2ـ المواسي لك:
عن أمير المؤمنين عليه السلام: "خير إخوانك من واساك وخير منه من كفاك وإذا احتاج إليك أعفاك"4.
وفي حديث آخر: "خير أخوانك من واساك بخيره وخير منه من أغناك عن غيره"5.

3ـ الداعي إلى الله تعالى:
والمراد منه من كانت دعوته بالعمل إضافة إلى القول كما عبّرت عن ذلك النصوص الشريفة حيث ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: "خير إخوانك من دعاك إلى صدق المقال بصدق مقاله، وندبك إلى أفضل الأعمال بحسن أعماله"6 و"خير إخوانك من سارع إلى الخير وجذبك إليه وأمرك بالبرّ وأعانك عليه"7.

4ـ المعين على الطاعة:
عن أمير المؤمنين عليه السلام: "المعين على الطاعة خير الأصحاب"8.
وعنه أيضاً: "إذا أراد الله بعبدٍ خيراً جعل له وزيراً صالحاً إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه"9.
وفيما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما سئل من أفضل الأصحاب: "من إذا ذكرت أعانك وإذا نسيت ذكّرك"10.

حيث تكون الوظيفة الأولى في حالة الذكر بأن الله تعالى حاضر وناظر وهي المعاونة ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْم وَالْعُدْوَانِ﴾ وتكون الوظيفة الثانية في حالة النسيان والغفلة هي التذكير والتوعية اتجاه المسؤولية الإلهية الملقاة على عاتقه.

ب- خير الجلساء:
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينما سئل أي الجلساء خير؟ فقال: "من ذكّركم بالله رؤيته وزادكم في علمكم منطقه. وذكرَّكم بالآخرة عمله"11.

يعني أن الأمور المذكورة تساهم مساهمة حقيقية في بناء الشخصية الإيمانية ومصدرها الخير الذي هو عليه في الحال والمنطق والعمل حيث تكون الثمرة من هذه المجالسة مكسباً معنوياً سواء في ذكر الله أو زيادة العلم أو تذكر الآخرة، وليس غريباً أن المؤمن إذا فقد أخاه وجليسه الذي يمتاز بهذه المواصفات أن لا يحب البقاء بعده وهذا دليل أنه من الخيرة والصفوة ويشعر أن الذي فقده هو بعضه كما يقول أحد الشعراء:

ومن محن الدنيا بقاؤك بعد مَنْ          إذا رحلوا أبقوك دون مشابهِ
فوجهٌ إذا ما غاب تبكيه ساعةً           ووجهٌ تملّ العمر عند غيابهِ
وتدفن فيه بالثرى إن دفنتهُ              وجودك إن المرء بعض صِحابهِ

ج- إخوان الصدق:
وهم الذين ينبغي معاشرتهم، يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "وعليك بإخوان الصدق فأكثر من اكتسابهم، فإنّهم عدّة عند الرخاء وجنّة عند البلاء"12.

وعن الإمام الحسن عليه السلام في وصيته لجنادة في مرضه الذي توفي فيه: "اصحب من إذا صحبته زانك، وإذا خدمته صانك، وإذا أردت منه معونة أعانك، وإن قلت صدّق قولك، وإن صلت شدّ حولك، وإن مددت يدك بفضلٍ مدّها، وإن بدت عنك ثلمة سدَّها، وإن رأى منك حسنةً عدّها، وإن سألته أعطاك، وإن سكتّ عنه ابتدأك وان نزلت إحدى الملمات به ساءك"13.

دـ مصاحبة العلماء:
لقد أكدّت الروايات المباركة على مصاحبتهم ومجالستهم لأنهم قادة الركب الربانيّ الذين يأخذون بيد المرء إلى العالم العلوي ويصلون به إلى حيث أراد الله سبحانه من خلال بثّ معارفهم وممارسة دورهم في الهداية والتربية والدفاع عن مبادئ الدين وصيانة الشريعة من أن تدخلها البدع والانحرافات ومما ورد في ذلك:

عن أمير المؤمنين عليه السلام: "عجبت لمن يرغب في التكثر من الأصحاب كيف لا يصحب العلماء الألبّاء الأتقياء الذين يغتنم فضائلهم وتهديه علومهم وتزينه صحبتهم"14. 
وعنه عليه السلام أيضاً: "جالس العلماء يزدد علمك ويحسن أدبك"15.
وما في وصية لقمان لابنه: "يا بنيّ جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله عز وجل يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل السماء"16.

وعليه يكون في مقابل ذلك ترك مجالستهم موجباً للخذلان من الله تعالى، لأن الابتعاد عنهم معناه الابتعاد عن المدرسة الإلهية التي أمر المولى سبحانه بالتربي في كنفها وتحت ظلالها، وهذا ما جاء صريحاً في دعاء الإمام السجّاد عليه السلام: "أو لعلك فقدتني من مجالس العلماء فخذلتني".

هـ- مصاحبة الحكماء:
وهناك روايات أكدّت أيضاً على مصاحبة الحكماء ومجالسة الحلماء لما في هذين الصنفين من الناس من مواصفات عالية تترك آثارها في الجنبة العلمية وكذلك العملية بما يساعد الإنسان عبر العلاقة بهم في طريقه إلى الكمال.

فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "صاحب الحكماء وجالس الحلماء وأعرض عن الدنيا تسكن جنة المأوى"17.
وفي رواية أخرى: "أكثر الصلاح والصواب في صحبة أولي النهى والصواب"18.

وـ مخالطة كرام الناس:
حيث ذكرت جملة من الروايات إنها موجبة للسعادة ومبعدة للشقاوة.
ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أسعد الناس من خالط كرام الناس"19.

* انت والمجتمع , سلسلة الدروس الثقافية , نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

1- ميزان الحكمة، ح220.
2- م.ن، ح264.
3- م.ن، ح265.
4- ميزان الحكمة، ح2624.
5- م.ن، ح2634.
6- م.ن، ح2685.
7- م.ن، ح2674.
8- م.ن، ح13301.
9- م.ن، ح10333.
10- م.ن، ح10330.
11- بحار الأنوار، ج71، ص186.
12- بحار الأنوار، ج71، ص187.
13- ميزان الحكمة، ح10243.
14- م.ن، ح10248.
15- ميزان الحكمة، ج1، ص55.
16- م.ن، ج1، ص402.
17- م.ن، ح10245.
18- م.ن، ح10244.
19- م.ن، ح10251.

الحق والباطل في نهج البلاغة

الحق والباطل في نهج البلاغة


تمهيد:
يرغب كل امرىء في معرفة الحق من الباطل والإطلاع على الحقيقة وتطبيقها على نفسه ومجتمعه.والجميع يودون نصرة الحق، وهم يدعون ذلك أيضاً.

وكل يقول: إن عملي، أو عملنا، ومواقفنا، وأسلوبنا في الحكم، ونمط حياتنا، ونظامنا الفكري والعقائدي، وسلمنا وحربنا، وعلاقاتنا الداخلية والخارجية... كلها على حق!

وكل منا يسعى لإظهار نفسه أنه على حق، وهذه الحالة النفسية من الأساليب والحيل المعروفة عند الإنسان التسويفي، إذ يدعي كل من  الظالم والمظلوم، والمستعمر والمستعمر، والمعتدي والمعتدى عليه، بأنه على حق، ويحاول تبرئة نفسه من الباطل، وإلباس أعماله بلباس الحقيقة، ويزعم أن الحق معه، وأن له الحق في أن يفعل هذا الشيء أو ذاك.

إذن، ينبغي قبل كل شيء تعريف الحق والباطل ومعرفتهما. وبعد معرفة الحق والباطل، نستطيع أن نميز بين أنصار الحق الحقيقيين ومن يدّعونه كذباً وزوراً، فلا تنطلي علينا أحابيل أهل الباطل، ونميز الحق وقول الحق وسبيل الحق عن الباطل ومن يتبعه.

وهذا النوع من البحوث نافع وضروري جداً لجيل الشباب، وذلك لدفعه نحو "النظرة الواقعية" و "التفكير الواقعي" لكي يعرف الحق والحقيقة، ويطلع على سبيل النضج والتكامل، فيساهم بنجاح في صنع مستقبل المجتمع الإسلامي.

قال الإمام علي عليه السلام:"رحم الله رجلاً رأى حقاً فأعان عليه، أو رأى جوراً فردّه، وكان عوناً بالحق على صاحبه"1.

تعريف الحق والباطل:
أ-الحق ما كان موجوداً مثل "القوانين المسيطرة على نظام الخلقة و...". والباطل ما ليس موجوداً بل يزعمون حوله وزاعم كاذبة.

ب-ان ما هو موجود ولا بد أن يكون وجوداً مثل "العدالة والنظام العام" هو الحق، وأن ما هو وجود ويجب ألا يكون له وجود، مثل "الظلم والجور، والإنحرافات الخلقية، والإعتداءات البشرية، والمزاعم الكاذبة و..." هو الباطل.

إذن فالتعريف الكامل للحق يكمن في عبارتين:
1- أن يكون له وجود
2- ويجب أن يكون له وجود.

إذ لو كان أساس معرفة الحق "وجوه" فحسب، لشمل ذلك كثيراًمن مصاديق الباطل الموجودة، ولكننا إذا ربطنا العبارتين السبقتين انتفى كل باطل.

إذن فالباطل أو غير الحق هو:
أ- أن يقال كذباً أن شيئاً ما موجود دون أن يكون له وجود.
ب- يجب أن لا يكون موجوداً حتى إن وجد في مكان ما.

ولا بد من التذكير بأن الأساس في الوجوب، وعدم الوجوب، قد حدده الله خالق الإنسان وأبلغه إلى البشرية عن طريق الوحي والقرآن.

قال الإمام علي عليه السلام:"كتاب ربكم فيكم مبيناً حلاله وحرامه، وفرائضه وفضائله"2. 

ضرورة معرفة الحق والباطل:
لا بد لبني البشر من أن يعرفوا الحق والباطل من أجل بناء ذولتهم وبلوغ الكمال الحقيقي، لأننا إذا جهلنا القوانين السائدة في الطبيعة.

عجزنا عن الإستفادة منها. وقد يؤدي ذلك إلى القضاء على سلامتنا وصحتنا.

فإذا لم نعرف، مثلاً، القوانين المسيطرة على جسم الإنسان ولم نميز بين الأطعمة السائغة النافعة، والمواد الضارة، لم نستطع الإستمرار في الحياة.

ونتيجة لذلك أننا إن لم نعرف-في الحياة الفردية والإجتماعية- المباديء والضوابط الأخلاقية، ولم نميز السلوك والتصرف المقبول والحق من غير المقبول والباطل، لم نبلغ سعادة ولا تكاملاً، ولاستحال علينا بناء الذات والمجتمع، إذ أن ضرورة بناء الذات والتكامل ترتبط بضرورة وجود الحقائق الثابتة.

الإمام علي عليه السلام، في "نهج البلاغة" ينبه البشرية إلى الحقائق الثابتة والمدهشة في النظام الأحسن للخلق، فيتحدث عن:

النظام:
والنظام المتنسق العام.
والنظام المستمر.
وقوانين الحياة الدقيقة.
وتناسق مجموعة نظام الوجود.
والهدفية في خلق المخلوقات.

يشير إلى ذلك لكي يصف خالق هذا النظام الأحسن كما يعرفه هو. وبعد أن ينتهي من إثبات وجود الله. يوجهنا نحو حلال الله وحرامه وحدوده، ويعرّف الحق والباطل والحقائق الخالدة الثابتة دائماً، واحدة بعد أخرى، ويذكّرنا في هذه المسيرة الحكيمة والعالمة بضرورة معرفة الحق وأتباعه، ويدعو البشرية إلى نصرة الحق.

إمكان معرفة الحق:
بعد أن يعرض الإمام عليه السلام حقائق نظام الوجود الرائعة، ويثبت وجود الخالق، نجده يقول:"قد أوضح لكم سبيل الحقّ، وأنار طرقه، فشقوةٌ لازمةُ، أو سعادةدائمة"3

ثم يشير إلى الهدية التي جاءت بها بعثة رسول الله صلى الله عليه وآله ويدلنا على أن كل جهود بني الإسلام انصبت على تعريف الحق وفضح الباطل، فيقول:
"...وخلّف فينا راية الحق، من تقدّمها، مرق، ومن تخلّف عنها زهق، ومن لزمها لحق"4 .

وبعد ذلك يشير إلى المواقف التي اتخذها هو فيقول:
"...وأقمت لكم على سنن الحقّ في جوادّ المضلّة حيث تلتقون ولا دليل"5 .

إذا ما طالعنا ما ورد في "نهج البلاغة" عن الحق والباطل توصلنا إلى النتائج التالية:

1-ان الحق والحقائق الثابتة والخالدة لها وجود، ويمكن معرفتها.

2-ان تكامل الفرد والمجتمع، من حيث الأبعاد المادية والمعنوية يكون في اتباع الحق والحقيقة.

3-ان التمرد على الحق يؤدي بالفرد والمجتمع إلى الإنحراف والفساد والسقوط.

4-يتحمل كل إنسان واجباً ومسؤولية في معرفة الحق والباطل.

ولما كان للحق وللحقائق وجود ووجب بلوغ النضج والسعادة بالنظرة الواقعية، فإن الإمام علي عليه السلام يرشدنا بالقول:"لا يؤنسنّك إلا الحقّ، ولا يوحشنّك إلا الباطل"6

ونظراً للمشاكل التي ترافق النظرة الواقعية و اتباع الحق فإنه يشجعنا جمعياً على الصبر والتحمل، لكي نسير دوماً على طريق الحق، ولا تجرنا المشاكل إلى الباطل، يقول عليه السلام: "...وعود نفسك التصبّر على المكروه، ونعم الخلق التصبر في الحقّ"7 .

نتيجة لذلك يمكننا حصر ضرورة معرفة الحق والحقائق في الحالات التالية:

1- معرفة الحق والباطل من أجل بناء الذات.

2- معرفة الحق والباطل من أجل بناء الإنسان.

3- معرفة الحق والباطل من أجل بناء المجتمعات البشرية.

4- معرفة الحق والباطل من أجل بلوغ النضج والسعادة المعنوية.

5- معرفة الحق والباطل من أجل سلامة جسم الإنسان ونفسه.

6- معرفة الحق والباطل من أجل سيادة القيم الآخلاقية الصحيحة.

7- معرفة الحق والباطل من أجل معرفة مباديء الجهاد التحريري ضد الحكومات السلطوية.

8- معرفة الحق والباطل من أجل القضاء على الجهل.

إن الحق والحقيقة يعينان ما يجب، ويعينان القيم التكاملية.

الواقعية تعني القوانين السائدة في المنظومة الشمسية وفي الطبيعة، وفي المجتمع، وفي العالم، وفي نظام الخلق.

والحق يعني القوانين والمبادىء التكاملية السائدة في نظام الوجود،ولدى خالق الكائنات القدير الحي القيوم، والحق والحقيقة هما اللذان يتجسدان في الأحكام الإلهية، والقيم الأخلاقية، والعلاقات الإنسانية الصحيحة، والحدود والضوابط، وحكومة العدل الإلهي، لذا فمن الضروري معرفتهما واتباعهما، إذ إن إهمال الحق والتغاضي عنه تعقبه عواقب وخيمة لا تعوّض خسائرها.

إذن، فنحن قادرون على رؤية الحق ومشاهدة مصاديق الحقيقة في كل مكان وفي كل شيء، ثم تطبيق ذلك على أنفسنا وعلى حياتنا الفردية واللإجتماعية، والسير دوماً على طريق التكامل، إذ يقول الإمام عليه السلام:"...ظهر للعقول بما أرانا من علامات التدبير المتقن والقضاء المبرم"8 .

كيف نواجه الحق؟
بعد الاعتراف بوجود الحق والباطل ومعرفة تأثير كل منهما في تقرير مصير الفرد والمجتمع، علينا الآن أن نفكر جيداً: كيف يجب أن نكون أمام الحق والباطل؟
وعلى أي أساس نتخذ مواقفنا لكي نبلغ النضج والتكامل الحقيقي؟
ان الإجابة الصحيحة والشافية عن هذه الأسئلة يطرحها "نهج البلاغة" ضمن المواضيع الاتية:

1 ضرورة الوعي: ترتبط درجة نضج الفرد والمجتمع وتكاملهما ارتباطاً كاملاً بدرجة وعيهما ومعرفتهما الحق والباطل والحقائق، فالصحة النفسية والأخلاقية للفرد والمجتمع شأنها شأن الصحة والسلامة الجسدية فهي ترتبط مباشرة بمعرفة عوامل الصحة وسبل مكافحة الأمراض المختلفة.
اذن، ينبغي قبل كل شي‏ء التوصل الى المعرفة والوعي اللازم.
يقول الإمام علي عليه السلام:"وَكَفى بِالمَرءِ جَهْلاً أَلاّ يَعرِفَ قَدرَهُ"9.

2 التزام الحق: بعد معرفة الحق من الباطل واكتساب الوعي اللازم، علينا التزام الحق والحقيقة والابتعاد عن الباطل. ان التزام الحق يعني السعي اليه والعمل به وعدم الخوف من أية مشاكل تقف على هذا الطريق.
قال الإمام عليه السلام:"أَفْضَلُ النّاسِ عِندَ اللّهِ من كانَ العَمَلُ بِالحَقّ‏ِ أَحَبّ‏ُ إِلَيهِ وَإنّ نَقَصَهُ وكَرّثَه، مِنَ الباطِلِ وَإِنْ جَرَّ إِلَيهِ فائِدَةً وَزادَهُ"10.
وفي عبارة أخرى يعلمنا أن الحق والحقيقة يجب ان يتخذا أساساً لعمل الانسان لكي ينال السعادة، فهو عليه السلام يقول:"... وَلْيَكُن أحَبّ‏ُ الأُمُورِ إِلَيكَ أَوْسَطُها في الحَقّ‏ِ وَأَعَمُّها في العَدلِ"11.

3 العمل: لا يكفي، في نظر "نهج البلاغة" معرفة الحق والحقيقة والميل اليهما، بل يجب أيضاً السعي للعمل بالواقع وتحقيقه وتطبيق الحق، والامتناع عن رفع الشعارات فقط.

يقول الإمام علي عليه السلام:"... وَاللّهِ لَهِيَ أَحَبّ‏ُ إِلَيّ‏َ مِن إِمْرَتِكُم، إِلاّ أَنْ أقيمَ حَقّاً أَو أَدفَعَ باطِلاً"12.

4 مقارعة الباطل: بعد معرفة الباطل، يجب العمل من أجل مكافحته والقضاء عليه واستئصال جذروه لكي يمهد السبيل أمام تحقيق الحق ويتسع المجال لتحقق النضج والتكامل، يقول الإمام علي‏عليه السلام:"وَأَيمُ اللّهِ لأَبقُرَنّ‏َ الباطِلَ حَتّى أُخرِجَ الحَقّ‏َ مِن خاصِرَتِهِ"13.

5 الانصياع للحق والحقيقة: بعد معرفة الحق والحقيقة، لا بد من التزامهما وتحقيقهما، ويجب عدم رفع لواء معارضة الحق والحقيقة، أو مناوءة القوانين السائدة في نظام الخلق، يقول الامام علي عليه السلام:"مَنْ أبدى صَفْحَتَهُ للِحَقّ‏ِ هَلَكَ"14.
بعد ذلك يشير الى زوال القيم وانهيارها لدى الأمم السالفة فيقول ‏عليه السلام:"... فَإِنّما أَهَلَكَ مَن كانَ قَبلَكُمْ أَنَّهُمْ مَنعُوا النّاسَ الحَقّ‏َ فاشتَرَوهُ، وَأَخَذُوهُم بالباطِلِ فَافْتَدَوهُ"15.

6 التحرك ضمن حدود الحق: بعد معرفة الحقائق والانصياع للحق، علينا ادراك حقيقة أساس مفادها أن الحركة التكاملية لا تتحقق إلا ضمن حدود الحق وفي إطاره، ولن تكون نتيجة أي صراع مع الحق، أو تقدم عليه، أو تجاوزه إلاّ الهلاك والتعاسة، لذا لا بد من معرفة حدود الحق والحقيقة، واحترامها. يقول الإمام علي عليه السلام:"مَنْ تَعَدَّى الحَقّ‏َ ضاقَ مَذهَبُهُ"16.

7 محاربة انصار الباطل: مثلما كان علينا القضاء على الباطل، ومكافحة المفاسد، علينا أيضاً محاربة انصار الباطل ومكافحتهم، لكي لا يتمكنوا من طرح الباطل من جديد، واشاعة الأفكار الباطلة، يقول الإمام علي عليه السلام:"... وَلَعَمري ما عَلَيّ‏َ مِن قِتالِ مَن خالَفَ الحَقّ‏َ وَخابَطَ الغَيّ‏َ مِن إدهانٍ وَلا إيهانٍ"17.

8 معرفة مُثلُ الحق الكاملة: بعد معرفة الحق والباطل، فإن لمعرفة مثل الحق الكاملة اثاراً تربوية كثيرة، لأن الناس بحاجة الى المثال الكامل الحق في عملية بناء الذات واصلاح السلوك الفردي والاجتماعي، اذ باطاعته واتباعه يبلغ السعادة وينجو من الانحراف.
والامام علي عليه السلام يصف بهذا الشأن نبي الإسلام والأئمة الحقيقيين بأنهم مُثل الحق الكاملة، فيقول:"... أَرسَلَهُ داعِياً إِلى الحَقّ‏ِ وشاهِداً عَلَى الخلقِ"18.
ويقول عن أهل بيت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم:"وَبَينَكُم عِترَةُ نَبيكُم وَهُم أَزِمَّةُ الحَقّ‏ِ وَأَعلامُ الدّينِ"19.

وبذلك لن يواجه البشر مشكلة في السير على طريق التكامل ومحاربة الباطل والزيف، اذ ان الحق والحقيقة قائمان، ومعرفتهما أمر ممكن، كما أن مثل الحق الكاملة تدلنا دوماً على الفضائل وتحذرنا من الرذائل، وتدل البشرية على سبيل اتباع الحق ومقارعة الباطل. يقول الإمام علي عليه السلام بهذا الشأن:"الذّليلُ عِندِي عَزِيزٌ حَتّى اخُذَ الحَقّ‏َ لَهُ، وَالقَويّ‏ُ عِندي ضَعِيفٌ حَتى اخُذَ الحَقّ‏َ مِنه"20.

* كتاب الحق والباطل في نهج البلاغة، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- الخطبة205
2- الخطبة 1
3- الخطبة 157
4- الخطبة 100
5- الخطبة 4
6- الخطبة 130
7- الرسالة 31
8- الخطبة 182
9- الخطبة 16
10- الخطبة 125
11- الخطبة 53
12- الخطبة 33
13- الخطبة 104
14- الخطبة 16
15- الرسالة 79
16- الرسالة 31
17- الخطبة 24
18- الخطبة 116
19- الخطبة 87
20- الخطبة 37

الأحد، 12 يوليو 2015

التقوى

التقوى

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله الذي لا مقنوطٌ من رحمته، ولا مخلوٌّ من نعمته، ولا مُؤيَسٌ من روحه، ولا مستنكَفٌ عن عبادته، بكلمته قامت السماواتُ السبع، واستقرَّت الأرض المهاد، وثبتت الجبال الرّواسي، وجرت الرياح اللواقح، وسار في جو السماء السحاب، وقامت على حدودها البحار. نحمده كما حمد نفسه وكما هو أهله، ونستعينه ونستغفره ونصلي على أشرف خلقه محمد وآله الأطهار.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾.

تحدّد الآية الكريمة غاية الصوم بأنّها التقوى التي هي:

أ- معيار الأفضل عند الله تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾.

ب- جاذبة الحبّ الإلهي: ﴿ فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾

ج- أجمل ثوب إنساني: ﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾.

د- براقُ الإنسان إلى الغاية العليا: ﴿ فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾.

والتقوى التي من خلالها نُحافظ على مكتسبات شهر رمضان هي صاحبة مفهوم دفاعي يعني المنعة والتحصين في مواجهة الشيطان الذي يقوم في حربه مع الإنسان بنوعين من الأدوار:

أ- منع.

ب- وإسقاط منعة.

فالدور الأول وهو المنع يحاول به الشيطان أن يمنع الإنسان من التكامل والتطوّر، فإذا انتصر الإنسان على الشيطان في هذه المرحلة واكتسب خيراً وتكامل في مساره يأتي:

الدور الثاني للشيطان الذي يحاول به أن يُفقد الإنسان مناعة المحافظة على مكتسباته.

وهنا تأتي أهمية التقوى التي هي غاية رسالة الصوم.

فالتقوى بمعنى المنعة، والصوم هو مدرسة صناعة هذه المنعة في وجه الشيطان.والشيطان لا يقتصر على شيطان الجن، فإن شياطين الإنس يسيرون في نفس مسار إبليس.

رحم الله الإمام الخمينيقدس سره الذي طالما استخدم مصطلح الشيطان على قوى الاستكبار العالمي فسمّى أمريكا بالشيطان الأكبر وإسرائيل بالشيطان الأصغر؛ وذلك لأنَّ دور قوى الاستكبار العالمي ليس فقط حروباً خشنة تُخاض من خلال حروب عسكرية بل هناك حروب ناعمة قد تكون في بعض جوانبها أكثر خطراً من تلك الحروب، وهدفهم هو ما ذكرته:

- منع التطور
- إسقاطه إن حصل

وقد استطاعوا لفترة طويلة من القرن العشرين أن يحقّقوا نتائج واسعة في هذا الإطار، فمنعوا أن تُضاء مشاعل الأمل، وإذا أُضيئت شعلة منها حاولوا أن يطفئوها، كما حاولوا في عام 1979 إطفاء شمعة رفع الحرمان ومقاومة الصهاينة من خلال اختطاف القائد الرؤيوي المقاوم الإمام السيد موسى الصدر عبر مؤامرة نفّذها الطاغية اللعين معمّر القذّافي.

لكن ما صدمهم بعد أشهر قليلة هو ثورة الإمام الخمينيقدس سره المباغتة التي فاتهم منعها فعملوا على إسقاطها بشتّى الوسائل عسكرياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، لكنّها صمدت بوجه ذلك كلّه والسبب الأساس -تحت عين الله تعالى- هو أمران:

الأول: أنها اعتمدت على المنهج الإسلامي الإيماني الذي يقوّي من عزيمة الناس ومنعتهم.

كان الإمام الخمينيقدس سره في أحلك الظروف الاقتصادية يتحدّث عن دور مدرسة شهر رمضان في تحقيق منعة الناس فيقول: "نحن قوم اعتدنا أن نصوم في السنة شهراً، ونحن مستعدون أن نصوم كل السنة ولا نرضخ لأعداء الله".

الثاني: أنها اعتمدت على قبول الشعب لمبادئ الثورة ومواكبته الدائمة لمسارها عبر الاستفتاءات والانتخابات.

بهذين الأمرين -تحت عين الله تعالى- صمدت الجمهورية الإسلامية في إيران بل تطوّرت وتطوّرت حتى وصلت المستوى الريادي الذي نشهده اليوم. وقد أقلق هذان الأمران الكثير من الممالك والإمارات والدول في المنطقة خوفاً على العروش والكراسي من إيمان يجذب، وشعب يستيقظ، اليقظة التي دعا إليها الإمام الخمينيقدس سره.

فعند اغتيال السادات دعا الإمام الخميني شعب مصر إلى الاستفادة من هذه الفرصة ليعبِّر عن إرادته الحرَّة في رسم مسار بلاده، معلناً أنّ الشعب قادر على تحقيق النصر، وإن لم يفعل فإنه يحتاج إلى سنوات طويلة.
ومرّت السنون والشعوب ترى تلك التجربة الناجحة تمتثل أمامهم والتي واكبها مقاومة في لبنان استمدت نورها من نفس فيض الإمام الخمينيقدس سره، مقاومةٌ انصهر فيها المجاهدون مع مجتمعهم فاستطاعوا تحت عين الله أن يحقّقوا النصرين في الـ 2000 و 2006.

إنّ مواكبة الشعوب في المنطقة لتجربة الدولة الإيمانية الشعبية الناجحة زاد من تطلِّعهم نحو مستقبل مشرق يحقّق طموحهم ويخرجهم من حالة الذلّة والهوان التي طالما شعروا بها، إلا أن حاجز خوف مصطنع كان يمنعهم من المسير.

وجاءت حرب تموز لتعيد انتصار ذات المسلم والعربي على ذاته المقهورة، وتكسر ذلك الحاجز الموهوم، فكانت الثورات العربية. وهنا لم يستطع الشيطان الأكبر أن يمنعها فدخل في النوع الثاني في أسلوبه الشيطاني بأن يسقطها ولو إسقاطاً ناعماً. كما حاول ويحاول أن يستغل تلك العناوين الجذّابة من الحرية وغيرها، ليقضي على منعة بعض الدول التي وقفت أمام مشروعه مستغلاً نقاط ضعفٍ في هذه الدول.

اليوم نحن مع ثورة قام بها الشعب المصري نأمل أن تعيد مصر إلى موقعها الريادي في منعة الأمة وتقدّمها، محصِّنة لها من ضغوطات سياسة الاستكبار العالمي وأموال الملوك والأمراء، لعلّ ما حصل من موقف مصري أخير تزامن مع عملية المقاومة الفلسطينية النوعية يضيء شعلة أمل في ذلك.

كما نشهد اليوم ثورة ليبيا على الطاغيّة المعمِّر "(ليزدادوا اثما" ، والتي نأمل أن يكون من يقودها في المستقبل هو وعي الشعب الليببي من المؤامرة الدولية من الناتو وغيره والذين لم يقوموا بما قاموا به لخدمة الإنسانية أو لحبّ هذا الشعب، بل لأجل مطامع في هذه الدولة الغنية بثرواتها النفطية، ولأجل إحكام قبضتهم على شعوب المنطقة في خدمة مشاريعهم.

كما نأمل أن تنتج هذه الثورة الجواب القطعي الذي انتظرناه عشرات السنين حول مصير إمام المقاومة المغيَّب السيد موسى الصدر.

وفي مقابل هذه الثورات وعلى نفس القاعدة الشيطانية حاول الاستكبار العالمي أن يُسقط النموذج الراقي المحرِّك لشعوب المنطقة وهو دولة إيران الإسلام وفشل ببركة ولاية الإيمان ويقظة الشعب.

كما يحاول اليوم وبشعارات برَّاقة أن يقضي على منعة سوريا بإرضاخها لفكّ ارتباطها بإيران والمقاومتين اللبنانية والفلسطينية.

كما حاول الاستكبار أن يُسقط النموذج الراقي الذي أحيا نفوس الشعوب وأرشدها إلى مكامن قوّتها ألا وهو المقاومة في لبنان من خلال المحكمة الدولية. وهو أيضاً فشل في ذلك بسبب المواكبة الإلهية وتلك اليقظة المباركة، حتى أصبحت المحكمة الدولية اليوم لا يتعدّى مفعولها حبر أوراق الصحف، وأثير ألسنة المذيعين.

في عيد الفطر وكمجتمع مقاومة ينبغي لنا أن نلتفت إلى أمرين هامين في حياتنا:

الأول: أن نشكر الله تعالى على ما منّ به علينا من عزٍّ وكرامةٍ في الوطن والأمة بفضل إخلاص المجاهدين وصبرهم ومصابرة مجتمعهم، وبفضل جهوزية المجاهدين، وسلاح المقاومة التي تسير على قاعدة سنَّها النبيّ(ص) "من استوى يوماه فهو مغبون" فالمقاومة اليوم أقوى مما كانت عليه في السابق، ونحن بسبب هذا الإخلاص والجهوزية والسلاح نعيش بإبائنا وعزّتنا وكرامتنا.

بل نحن ننظر إلى اليوم الذي يخطئ فيه الصهاينة في شنِّ حرب على لبنان بأنّه اليوم الذي سينظر العالم كلّه إلى أبناء الإمام علي بن أبي طالبعليه السلام كيف يقتلعون باب خيبر ويحقّقون عزّاً لم يسبق للأمّة أن نالته.

الثاني: يتعلّق بالمحافظة على مكتسباتنا التي أنعم الله تعالى بها على مجتمعنا بفضل المقاومة. وهذا ما يتحقّق من خلال مقاومةٍ من نوع آخر ضدّ الحرب الناعمة التي يخوضها الأعداء مركِّزاً فيها على مجتمع المقاومة، لا سيّما شريحة الشباب الذين يشكِّلون العمود الفقري للمقاومة. حرب رصاصها حبوب مخدِّرات، وطائراتها صحون لاقطة لفساد تنشره في مجتمعنا، وهذا ما يجب أن نكون يقظين واعين متحمّلين للمسؤولية في أنفسنا وأبنائنا وإخوتنا وجيراننا وأصدقائنا ومدارسنا وجامعاتنا.

وأن نستعين لذلك كلّه بالدعاء لله تعالى.

اللهم عجِّل فرج وليِّك الأعظم واجعلنا من أنصاره ومن المستشهدين بين يديه،
اللهم احفظ وليّ أمرنا الإمام الخامنئي دام ظله حتى ظهور وليك،
اللهم احفظ سيد المقاومة وأعزَّه بعزَّك وسدِّده بتسديدك،
اللهم ارحم شهداءنا لا سيما السيِّد عباس والشيخ راغب والحاج عماد،
اللهم أعز مجاهدينا بعزِّك.
اللهم و ما ألممنا به في شهرنا هذا من لمم أو أثم، أو واقعنا فيه من ذنب واكتسبنا فيه من خطيئة على تعمد منا، أو على نسيان ظلمنا فيه أنفسنا، أو انتهكنا به حرمة من غيرنا، فصل على محمد وآله، واسترنا بسترك، واعف عنا بعفوك.

وبارك لنا في يوم عيد فطرنا واجعله من خير يوم مرَّ علينا أجلَبَه لعفو وأمحاه لذنب.

يا أكرم من رُغِبَ إليه وأكفى من توكّل عليه صلِّ على محمد وآل محمد وعجِّل فرجهم الشريف.


والحمد لله ربّ العالمين.

* سماحة الشيخ أكرم بركات

أهل البيت لغة وعرفاً

أهل البيت لغة وعرفاً هذا اللفظ مركب من كلمتين ولكل مفهوم، ويمكن تحديد مفهوم "الاَهل" من موارد استعماله فيقال: 1- أهل الاَمر وا...