الجمعة، 5 يونيو 2015

النصر والمدد الغيبيّ

النصر والمدد الغيبيّ

موعظة قرآنية
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾1.

مقدّمة
إنّ انتصار أهل الحقّ في مواجهتهم للباطل مرهون بالإذن والتسديد والمدد الربّاني. والمدد الإلهيّ عبارة عن مساعدة وواسطة خفيّ في النصر، والتي تعتبر من العوامل الإلهية والغيبية المهمّة في تحقيق النصر للمسلمين. فالنصر الحقيقيّ، أسبابه وحصوله إنّما هو إلهيّ المنشأ أولاً وآخراً. لذلك يجب على المجاهدين أن لا يتوجّهوا بقلوبهم وتعلّقاتهم إلى غير الله تعالى. وهذه النكتة أكّد عليها القرآن الكريم في موارد مختلفة، وكان هذا التأكيد لأجل أن لا ينسى الناس أصل التوحيد، وأن يبقى راسخاً في أذهانهم مبدأ: (لا مؤثّر في الوجود إلّا الله).

ففي الحرب لا مؤثّر حقيقيّ غير الذات الإلهية المقدسة، أما الملائكة وغيرها من التسديدات الإلهية فلا يعملون إلا بأمر من الله عزّ وجلّ، ولا استقلال لهم في شيء لا في نصر المسلمين، ولا في أيّ أمر آخر، إذ إنّ كلّ الأمور حقيقة هي بيد الله تعالى، وتسير بأمره تبارك وتعالى.


شروط المدد الإلهيّ وأنواعه

وهذه الإمدادات الغيبية والتسديدات الإلهية للمجاهدين أثناء جهادهم ضدّ الأعداء مشروطة بشرطين كليين:

أوّلاً: العمل على الاستفادة من كل قدراتهم المتاحة بين أيديهم في ساحة العمل.

ثانياً: انتظار المدد الغيبيّ الإلهيّ والمساعدة الربّانية، في حال لم تفِ تلك القدرات والطاقات الظاهرية في رفع حاجة المسلمين ومشكلتهم، لأنه في تلك الحالة سوف يضع الله تعالى تلك الطرق والأساليب الغيبية في خدمة المجاهدين، وذلك حسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية والحاجة الفعلية.

وهذه النتيجة قد أيّدها القرآن الكريم حيث تحدّث بعض الآيات الشريفة، عن أنّ الإمدادات الغيبية الإلهية ليست مطلقةً بل لها شروطُها وظروفها، ويمكن أن نصنّف المدد الإلهيّ إلى نوعين، معنويّ وماديّ. وفي هذا المقام يُطرح سؤال عن ماهية هذه الإمدادات والتسديدات الإلهية، وطرق تحققها. وللإجابة عن هذا السؤال، سنقوم بالتحقيق في الآيات الواردة في القرآن الكريم حول هذا الموضوع. يمكننا تقسيم الإمدادات الغيبية والتسديدات الإلهية إلى عدّة أنواع:


السكينة

السكينة من صفات النفس الإنسانيّة التي وردت الإشارة إليها مرّاتٍ عدّة في القرآن الكريم، في بعض الأحيان بطريقةٍ مباشرة، وفي بعض الأحيان من خلال الإشارة إلى النعاس الذي يصيب المؤمنين في ساحة الحرب ويجعلهم كأنّهم في فراشهم وتحت سقوف بيوتهم. وتكتمل الصورة عندما تقترن السكينة في قلوب المؤمنين بالخوف الذي يقذفه الله في قلوب جنود العدوّ.

- قال الله تعالى: ﴿وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا * هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾2. تحدّثنا هاتان الآيتان عن النصر الذي منّ الله به على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ثمّ تذكر أمرًا يظهر أنّه بمثابة السبب الذي يؤدّي إلى مضاعفة الإيمان وزيادته وهو السكينة التي نزلت على قلوب المؤمنين فزادت إيمانهم، وسمحت لهم ولقائدهم بالنصر وليس أي نصر بل ذلك النصر الذي يصفه الله بأنّه عزيز، أبهر الأعداء وجعلهم ييأسون من التفكير في طلب ثاراتهم القديمة التي هي الذنوب التي تقدّمت وتأخّرت كما يرى عددٌ من المفسّرين.

قال الله تعالى: ﴿﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾3. محور هذه الآية الحديث عن المسلمين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديبية قبل فتح مكّة بقليل من الزمان، ودلالة الآية واضحة على أنّ هذه السكينة التي غمرت قلوب المسلمين المبايعين هي التي ولّدت النصر وجعلته ثوابًا قريبًا لأهل السكينة والاطمئنان إلى خيارات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.


قذف الرعب في قلوب الكفّار والأعداء

واحدة من طرق الإمداد الباطنيّ والروحيّ التي ينصر الله تعالى بها أهل الحقّ ويهزم بها أهل الباطل هي: إلقاء الرعب وإيجاد الخوف في قلوب الكفّار والمشركين، بمعنى أن يُسيطر الرعب والخوف على نفوس الكفّار في ميدان المعركة، ما يصيبهم بالاضطراب والقلق بحيث يفقدون القدرة على البقاء في الميدان. وهذا الانهزام النفسيّ يؤدّي إلى عدم الثبات في مواجهة المسلمين، فيُفضّلون الفرار والانهزام على الالتحام مع أهل الحقّ.

لقد ذُكر هذا العامل المهمّ والمدد الروحيّ في أربعة موارد من القرآن الكريم بشكلٍ مؤكّدٍ وقاطع.

ففي موردين يَعِد الله المسلمين بأنّه سوف يُرعِب قلوب أعدائهم أثناء المعركة لسلب الشجاعة والجرأة منهم على قتال وحرب المسلمين.

وفي موردين آخرين تتحدَّث الآيات الشّريفة عن إرعاب وتخويفٍ مُسبَق للأعداء ليكون ذلك عاملاً مساعداً لغلبة المسلمين. ونكتفي هنا بالمرور على الآيات القرآنية مروراً سريعاً:

يقول الله تعالى ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾4.

وفي آية أخرى يُبيّن الله تعالى عامل انتصار المسلمين بهذه الصورة، حيث يقول تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾5.


التصرّف بالنفوس

هناك طريقٌ آخر من طرق الإمداد الغيبيّ الباطنيّ، وهو عبارة عن التصرّف الإلهيّ في نفوس المؤمنين، فيجعل أعداد الكفار في نظرهم قلّة، وقدراتهم ضعيفة حتّى لا يخاف المؤمنون من مظاهر القوّة والقدرة عند العدوّ فيهابوا ويتراجعوا.

ومن جهة أخرى، يتصرف الله في نفوس الكافرين فيجعلهم ينظرون باستخفاف إلى معسكر المسلمين ويعدّون جيش الإسلام قلّة وضعفاء، وهذا الاستخفاف يؤثّر في خطط الأعداء الحربية، من عدم نقل السلاح والتجهيزات الكاملة إلى ساحة المعركة وعدم إحضار كلّ الجيش إلى ميدان الحرب، وهذا ما يُوقعهم في سوء تقديرٍ لعدد الجيش الإسلامي وقدراته الحقيقية ممّا يجرُّهم في النهاية إلى الخسارة والهزيمة.

وحول هذا الموضوع يقول الله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الاُمُورُ﴾6.


تثبيت الأقدام

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾7.

هذه الآية الكريمة تحثّ المؤمنين على جهاد أعداء الحقّ، وترغّبهم في ذلك. وليس التأكيد على مسألة "الإيمان" في الآية إلّا إشارة إلى أنّ إحدى علامات الإيمان الحقيقيّ هي جهاد أعداء الحقّ والدين. فعلى المؤمنين أن ينصروا دين الله، وهذا تكليف وواجب ملقى على أعتاقهم. ومع أنّ قدرة اللّه سبحانه غير محدودة، ولا قيمة لقدرة المخلوقات حيال قدرته، غير أنّه يعبّر بنصرة اللّه ليوضح أهميّة الجهاد والدفاع عن دين اللّه. وهو تعالى يعدهم في حال أدّوا تكليفهم فإنه سيكون معهم يؤيّدهم ويسدّدهم وينصرهم، بأن يلقي في قلوبهم نور الإيمان، وفي أرواحهم التقوى، وفي إرادتهم القوّة والتصميم أكثر، وفي أفكارهم الهدوء والاطمئنان. ويرسل الملائكة لمدّهم ونصرتهم، ويغيّر مسار الحوادث لصالحهم، ويجعل أفئدة الناس تهوي إليهم، ويجعل كلماتهم نافذة في القلوب، ويصيّر نشاطاتهم وجهودهم مثمرة وذات فائدة الخ. ولكن من بين كلّ أشكال النصرة يؤكّد تعالى على مسألة تثبيت الأقدام، وذلك لأنّ الثبات أمام العدو يعتبر أهمّ رمز للانتصار، وإنّما يكسب الحرب الذين يصمدون ويستقيمون أكثر. لذا كان دعاء طالوت ومن بقي معه من المؤمنين على قلّتهم عند ملاقاتهم لجيش جالوت القويّ والكبير: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾8. فأيّدهم الله بالنصر المؤزّر على العدوّ لثبات أقدامهم عند المواجهة.


إنزال الملائكة

في معركة الحقّ والباطل يسقط بعض الحدود بين عالم الطبيعة وعالم ما فوقها، وإذا سخّر الإنسان الطبيعيّ نفسه في خدمة الأهداف الإلهيّة العليا، والقيم السامية النبيلة، سخّر الله له مخلوقات ما فوق الطبيعة وجعلها تدافع عنه وتؤيّده. وقد حدّثنا القرآن مرّات عدّة عن تأييد الله المؤمنين في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالملائكة، ومن ذلك هذه الآيات: ﴿بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾9.

﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾10.

ويقول عزّ وجلّ في آية أخرى في السياق نفسه: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ﴾11. نعم ربّما يكون مستهجنًا الحديث عن الغيب والغيبيّات في عالم العسكر وفي عصر تحوّلت فيها المادّة إلى إله يعبد من دون الله، هذا ولكنّ الفكر الذي يستند إلى الوحي ويجعل منه الركن الأساس إلى جانب العقل أو قبله أو بعده ولكنّه لا يركن إلى الإيمان دون عقلٍ ولا إلى العقل دون إيمان، لا يمكنه أن يستبعد مثل هذه الأمور لا في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا في غير عصره، فالوحي دلّ على مثل هذا التأييد ولم ينفِ حصوله في سائر العصور إذا صدقت النوايا وتشابهت الظروف. والعقل أقصى ما يمكنه فعله هو السكوت وقول لا طاقة لي به، فليس ثمّة دليلٌ عقليٌّ يحكم باستحالة مثل هذا التأييد الغيبيّ، إن لم نقل إنّ العقل قد يحكم بضرورة مثل هذا الأمر في بعض الظروف الخاصّة من باب اللطف الذي هو مفهوم كلاميٌّ تقتضيه صفات الله تعالى وحكمته وعدله.


الريح والمطر

إذا أراد الله أمرًا سخّر له كلّ ما خلق من مظاهر الطبيعة وما وراءها. وممّا سخّره الله تعالى في خدمة معسكر المؤمنين الرياح والمطر. وقد أشرنا من قبل إلى المطر الذي كان له دور في تثبيت إيمان المسلمين في معركة وقيل في دور المطر إنّه كان لرفع وسوسة الشيطان وتشكيك المسلمين في دينهم وأنّهم يصلّون وهم على جنابة والماء تحت يد المشركين. وقيل إنّ مخيّم المسلمين كان في أرض ذات رمل لا تثبت فيها الأقدام فأنزل الله المطر لترطيب هذه الأرض وتثبيت مواقع أقدامهم. وأيًّا يكن فإنّ الآية المشار إليها تدلّ على تسخير الله تعالى المطر وهو مظهر من مظاهر خلق الله في الطبيعة في خدمة الأهداف والغايات الحربيّة للمسلمين.

وأما الريح فهي من جنود الله التي يسخّرها في خدمة كثيرٍ من أغراض، فهي وسيلة العذاب على بعض الأقوام السابقة، وهي من الجنود التي تشارك جنوده المؤمنين في مواجهة أعدائه، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾12.

ومن العوامل الطبيعية للمدد الإلهيّ والتي أشير إليها في القرآن الكريم المطر، ففي إحدى الآيات الشريفة تحدث القرآن حول هذا الموضوع قائلاً: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾13.

إنّ هذه الآية تشير إلى أحداث معركة بدر، ففي الليلة التي سبقت المعركة أنزل الله مطر رحمته ما جعل الأرض تحت أقدام جيش الإسلام سهلة رطبة فسهّلت لهم طريقة الحركة والتنقل في الأرض وإجراء المناورات اللازمة في الميدان، إضافة إلى التخلّص من آثار الغبار والتراب التي تعيق الحركة أثناء القتال وتعمي الأعين وتضرّ بالرؤية البصرية.

أما في معسكر الكافرين فقد كان المطر شديداً، ما جعل الأرض تحت أقدامهم موحلة غير مستقرة، فأعاق حركتهم ومناورتهم العسكرية، وكان ذلك عاملاً في هزيمتهم.

إن هذا المطر كان للمسلمين نوع إمداد غيبيّ ورحمة إلهية، ليصبح المجاهدون أكثر فعالية ونشاطاً وأشدّ حماسة وثباتاً، وكان سبب رحمةٍ خاصة لهم من جهة تحصيل الطهارة والنظافة الظاهرية والروحية وتأمين مياه الشرب وغير ذلك من النعم، وكل ذلك بفضل هذا المدد الإلهيّ.


وصية الأمير عليه السلام حول النصر

من حسن الختام نقل كلامِ مَن كلامُه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق أمير المؤمنين عليه السلام، في وصيّة لابنه محمد ابن الحنفيّة عندما أعطاه الراية في إحدى معاركه فأوصاه بمجموعة وصايا جلّها مقتبس من الآيات المشار إليها أعلاه: "تَزُولُ الْجِبالُ وَلا تَزُلْ! عَضَّ عَلَى ناجِذِكَ، أَعِرِ اللهَ جُمْجُمَتَكَ، تِدْ فِي الاْرْضِ قَدَمَكَ، ارْمِ بِبَصَرِك أَقْصَى الْقَوْمِ، وَغُضَّ بَصَرَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللهِ سُبْحانَهُ"14.


وقفّة تأمّلية

كما أنّ النصرة الإلهية لكم أنتم الذين تجاهدون وتناضلون لا تختصّ بالآخرة. في هذه الآية... تقول الملائكة: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾15، إذن، ليست المسألة في الآخرة فقط، بل في الدنيا أيضاً تعمل ملائكة الله وقواه المعنويّة على مدّ يد العون للذين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾16.

ونحن نُشاهد عونهم في الدنيا بأعيننا. ملائكة الله أعانونا نحن أيضاً في ثمانية أعوام من الدفاع المقدّس. وقد شاهدنا هذا العون بأعيننا. قد لا يُصدّق ذلك الإنسان الغارق في المادّيّات، دعه لا يُصدّق. نحن شاهدنا هذا العون. واليوم أيضاً تُساعدنا ملائكة الله، ونحن واقفون وصامدون بفضل العون الإلهيّ. قوّتنا العسكرية لا تقبل المقارنة بأمريكا. وقدراتنا الاقتصادية وإمكاناتنا المالية والإعلامية وامتداد نشاطنا السياسيّ لا يقبل المقارنة بأمريكا. ومع ذلك فنحن أقوى من أمريكا، مع أنّها أكثر مالاً وسلاحاً وأقوى إعلاماً وإمكانيّاتها المالية والسياسية أكثر، لكنّها أضعف ونحن أقوى. والدليل على قوّتنا هو أنّ أمريكا تراجعت خطوة خطوة في كلّ الميادين التي حصلت فيها مواجهة بيننا وبينها. نحن لا نتراجع بل نتقدّم إلى الأمام. هذا هو الدليل والمؤشّر، وهو ببركة الإسلام وبفضل العون الإلهيّ ومساعدة ملائكة الله.


الإمام الخامنئي دام ظله: كلمته في ملتقى غزة/ طهران/ 27/2/2010م

* كتاب النصر الإلهي، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- سورة محمد، الآية 7.
2- سورة الفتح، الآيتان 3 و 4.
3- سورة الفتح، الآية 18.
4- سورة آل عمران، الآية 151.
5- سورة الأنفال، الآية 12.
6- سورة الأنفال، الآيتان 43 و 44.
7- سورة محمد، الآية 7.
8- سورة البقرة، الآية 250.
9- سورة آل عمران، الآية 125.
10- سورة الأنفال، الآية 9.
11- سورة الأنفال، الآية 12.
12- سورة الأحزاب، الآية 9.
13- سورة الأنفال، الآية 11.
14- نهج البلاغة، قسم الخطب، الخطبة 11،
15- سورة فصلت، الآية 31.
16- سورة فصلت، الآية 30.

المعرفة طريق الانقطاع إلى الله

المعرفة طريق الانقطاع إلى الله

مراتب المعرفة

إنّ لمعرفة الله العقلية والقلبية مراتب عديدة، ولكلّ مرتبة شرائط خاصة. فشرائط وموانع أوّل مرتبة للمعرفة العقلية أو القلبية تختلف عن شرائط وموانع المرتبة الأعلى منها، بل هي غير قابلة للقياس بها، بمعنى أنّ موانع وشرائط المرتبة الأعلى للمعرفة هي أكثر وأدق بمراتب من المرتبة الأدون. إنّ أول مرتبة للمعرفة العقلية تبدأ من المعرفة البديهية وتنتهي بالإحاطة بكل براهين وأدلة معرفة الله وبالإجابة عن كلّ إيرادات المنكرين. وأول مرتبة للمعرفة القلبية تبدأ من المعرفة الفطرية القلبية، وتختتم بتجاوز الحجب الظلمانية والنورانية والوصول إلى مرتبة تجلّي الذات.

شرائط المعرفة 

إنّ المعارف العقلية نوعان: المعارف البديهية (البديهيات العقلية) والمعارف النظرية. معرفة الله عن طريق العقل هي بحسب المعنى الأول أي المعرفة العقلية البديهية لا شرط لها إلّا رفع موانعها الخاصة. والموانع الخاصة لهذه المعرفة هي عبارة عن التعصّب، الحزبية، البغض والحقد وكل ما من شأنه أن يبعد العقل عن فطرته وطبيعته. ولو لم تكن هذه الموانع موجودة لتوجّه العقل مع الالتفات إلى نظام الوجود إلى منظمه وخالقه دون أن يجد حاجة للبرهان في هذا المجال، ولا ضرورة لوجود شرط آخر غير عدم وجود الموانع. أما معرفة الله بالمعنى الثاني أي المعرفة العقلية النظرية فلها شرائط أخرى إضافةً إلى رفع الموانع وعلى رأسها التعلّم وطلب المعرفة بالدليل والبرهان العقلي.

أما معرفة الله عن طريق القلب فلها مراتب أيضاً، وأدنى تلك المراتب هو الإحساس الفطري بالحاجة للكمال المطلق. وهذه المعرفة القلبية كالمعرفة العقلية الفطرية لا شرط لها إلا رفع الموانع الخاصة بها. وهذه الموانع هي نفس موانع المعرفة العقلية البديهية التي لولا وجودها لأدرك العقل خالقه وربه بنفسه ولأحس القلب به أيضاً. كما يقول الإمام علي عليه السلام في وصفه لسالك الطريق إلى الله: "قد أحيا عقله وأمات نفسه حتّى دَقَّ جليله ولطف غَليظه وبَرَقَ له لامع كثير البرق فأبان له الطّريق وسلك به السّبيل وتدافعته الأبواب إلى باب السّلامة ودار الإقامة وثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه في قرار الأمن والرّاحة بما استعمل قلبه وأرضى ربّه"1.

الإيمان ومراتبه

الإيمان بالله يحصل في النفس من خلال التصديق المنطقي والاستدلالي إلى جانب الإدراك والإحساس الفطري القلبي الذي يحصل بإرشاد الأنبياء الإلهيين، وشرط تحقّقه هو عدم وجود الموانع ولو بنحو نسبيّ.

وإذا عمل الإنسان بلوازم الإيمان التي هي تنفيذ القوانين الإلهية، وبذل تمام قدرته بإخلاص في تنفيذ هذه القوانين في حياته الفردية والاجتماعية فسيحصل على مرتبة أعلى إلى أن يصل إلى اليقين. كما يقول الإمام علي عليه السلام: "إنّ الإيمان يبدو لُمظةً في القلب، كلّما ازداد الإيمان ازدادت اللُمظةُ"2.

ومع بقاء التقوى يزداد نور الإيمان تدريجياً حتى تصل مرآة القلب إلى درجة من الإشراق والنور بحيث تتجلّى فيه ذات الحق المقدّسة، ويرى الإنسان ربه وإلهه ببصر القلب ويصل إلى مرتبة اليقين.

وعلى هذا فيكون حينئذٍ للإيمان ثلاث مراتب محدودة، المرتبة الأولى هي عبارة عن التصديق المنطقي، الثانية مرتبة التقوى، الثالثة مرتبة اليقين.
وقد ذكرت هذه المراتب في رواية عن الإمام الرضا عليه السلام حيث يقول: "الإيمان فوق الإسلام بدرجة والتَقوى فوق الإيمان بدرجة واليقين فوق التّقوى بدرجة وما قُسِمَ في النّاس شي‏ء أقلّ من اليقين"3.

في مجال بيان مراتب الإيمان من التصديق المنطقي حتى الرؤية القلبية أو من علم اليقين إلى عين اليقين هناك عدة مسائل يجب بحثها ودراستها وهي:

1- إمكان الرؤية القلبية.
2- معنى الرؤية القلبية.
3- بيان السير التكاملي من الإيمان إلى اليقين.

إمكان الرؤية القلبية

ليست رؤية الله عن طريق القلب في الإسلام ممكنة فقط بل إنّ الإمام يصرّح في روايات متعددة بأنه لا يعبد رباً لم يره. جاء في رواية معروفة أنّ شخصاً اسمه ذعلب ذا لسان بليغ في الخطب شجاع القلب سأل أمير المؤمنين عليه السلام فقال: "يا أمير المؤمنين هل رأيت ربّك؟ قال: ويلك يا ذِعْلِبُ ما كنت أعبد ربّاً لم أره، فقال: يا أمير المؤمنين كيف رأيته؟ قال: ويلك يا ذِعْلِبُ لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان‏"4.

وفي رواية أخرى عن عبد الله بن سنان عن أبيه قال: حضرت أبا جعفر محمد بن علي الباقرعليه السلام وقد دخل عليه رجل من الخوارج فقال له:
"يا أبا جعفر أيّ شي‏ء تعبد؟ قال: اللَّهَ تعالى، قال رأيته؟ قال: بل لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان لا يُعرف بالقياس ولا يدرك بالحواسّ ولا يُشَبّه بالناس موصوف بالآيات معروف بالعلامات لا يجور في حكمه ذلك الله لا إله إلا هو قال فخرج الرّجل وهو يقول الله أعلم حيث يجعل رسالته‏"5.

ويقول أبو بصير: سألت الإمام الصادق عليه السلام: "قلت له أخبرني عن الله عزَ وجلّ هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟ قال: نعم وقد رأوه قبل يوم القيامة، فقلت: متى؟ قال: حين قال لهم ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾‏ ثمّ سكت ساعة ثم قال: وإنّ المؤمنين ليرونه في الدّنيا قبل يوم القيامة، ألست تراه في وقت هذا؟ قال أبو بصير: فقلت له جعلت فداك فأُحَدِّث بهذا عنك؟ فقال: لا فإنّك إذا حدّثت به فأَنْكَرهُ مُنْكِرٌ، جَاهِلٌ بِمَعْنَى ما تقوله، ثمّ قَدَّرَ أنّ ذلك تشبيهٌ وكفر، وليست الرّؤية بالقلب كالرؤية بالعين تعالى الله عمّا يصفه المُشَبِّهُون والملحدون"6.

وعن أبي الحسن الرّضا عليه السلام قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمّا أُسْرِيَ بي إلى السّماء بلغ بي جبرئيل مكانا لم يطأه قطّ جبرئيل فكشف له فأراه الله من نور عظمته ما أحبّ"7.

ويقول أمير المؤمنين عليه السلام في الدعاء:

"فأسألك باسمك الّذي ظَهرْتَ به لخاصّة أوليائك فوحَدوك وعرفوك فعبدوك بحقيقتك أن تُعرِّفني نفسك لأُقِرَ لك بربوبيّتك على حقيقة الإيمان بك ولا تجعلني يا إلهي ممّن يعبد الاسم دون المعنى والحظني بلحظة من لحظاتك تنوَّر بها قلبي بمعرفتك خاصّة ومعرفة أوليائك إنّك على‏ كلّ شي‏ء قدير"8.

ويقول الإمام الحسين عليه السلام في دعاء عرفة: "أنت الذي أشرقتَ الأنوار في قلوب أوليائك حتى عرفوك ووحدوك"9.

السير التكاملي من الإيمان إلى اليقين

لبيان هذا السير المعنوي يجب أن نسأل من طووا هذا المسير وهم في أوج قمة اليقين، أولئك الذين وصلوا في معرفة حقائق الوجود إلى مرتبة "لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً"10. أي أن نستمع إلى كلام أهل بيت العصمة والطهارة، وأهل بيت الرسالة صلوات الله عليهم أجمعين، والذي يستفاد من مجموع كلامهم صلوات الله عليهم أجمعين في بيان هذا السير وبحسب ما ألمح إليه بعض الصالحين، أنّ هذا السير التكاملي يبدأ بالذكر ويختتم بالانقطاع. ولتوضيح الأمر نشير إلى النقاط التالية: 

الأولى: ارتباط الإيمان والذكر

الذكر هو عبارة عن العمل بلوازم الإيمان، لأنّ لازم الإيمان والاعتقاد بخالق الكون هو العمل بالقوانين والبرامج التي أوحيت للأنبياء الإلهيين من أجل تكامل الإنسان. فحقيقة ذكر الله ليست إلاّ العمل بالقوانين الإلهية، وذكر الله باللسان هو جزء صغير من الذكر بالمفهوم العام. وبسبب هذا التلازم فسّر الإيمان بالعمل من باب المبالغة في حديث للإمام الصادق عليه السلام يقول فيه: "الإيمان عمل كله، والقول بعضُ ذلك العمل بفرض من الله"11.

وعلى هذا الأساس لا يكون الإيمان قابلاً للبقاء بدون الذكر، وإذا انفصل الذكر عن الإيمان انطفأ هذا المصباح، وانهدم هذا البناء لذلك يقول الإمام علي عليه السلام: "ذكر الله دعامة الإيمان"12، أي أنّ الذكر أمر ضروريّ لبقاء بناء الإيمان، وبدون هذا العماد لا يمكن أن يكون للإيمان وجود خارجي.

وعليه فبعد تكوين جوهرة الإيمان في الروح، يبدأ الإنسان حركته نحو الكمال برأس مال الذكر والعمل بالقوانين الإلهية، كما يقول الإمام علي عليه السلام: "ذكر الله رأس مال كل مؤمن وربحه السلامة من الشيطان"13.

الثانية: ارتباط الذكر والحبّ

الذكر بالمعنى المذكور هو أساس حياة القلب والروح، لذا يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "من ذكر الله سبحانه أحيا الله قلبه ونوّر عقله ولب"14. ودوام غذاء الذكر ضروريّ لاستمرار حياة الروح: "مداومة الذكر قوت الأرواح"15. وعندما يحيا القلب يستأنس بالله تدريجياً: "الذكر مفتاح الأنس"16. "من أكثر ذكر الله أحبه"17. إنّ لحبّ الله إذاً أثرين أحدهما أنّه يصون روح الإنسان ويعطيه العصمة من الحجب والأدران، والآخر أنه يجعل القلب منقطعاً لله.

الثالثة: ارتباط الحبّ والعصمة

إنّ أحد آثار وثمار الحبّ هو العصمة، بمعنى أنه عندما تصل علاقة ومحبة الإنسان لله إلى أوجها لا تسمح المحبة له بأن يفعل ما هو خلاف مراد المحبوب

وتطهّر القلب من جميع الرين. والعصمة هي الشيء الذي يمنع الإنسان من معصية الله، ويصونه من التلوّث بها، وما لم يستقرّ الإنسان في أوج قمة المحبة لله فلا يمكن أن يمتلك الصيانة من المعصية، ولذا جاء في المناجاة الشعبانية: "إلهي لم يكن لي حوْل فأنتقل به عن معصيتك إلا في وقتٍ أيقظتني لمحبتك".

الحب لا يطهر الأدران من القلب ويصون الإنسان من التلوّث بالمعاصي فقط، بل يصون من الشبهة أيضاً. يقول رسول الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم في حديث له: "قال الله سبحانه إذا علمت أنَ الغالب على عبدي الاشتغال بي، نقلت شهوته في مسألتي ومناجاتي، فإذا كان عبدي كذلك فأراد أن يسهو حُلْتُ بينه وبين أن يسهو، أولئك أوليائي حقاً، أولئك الأبطال حقاً، أولئك الذين إذا أَرَدْتُ أن أُهلِكَ أهل الأرض عقوبَةً زَوَيتُهَا عنهم من أجل أولئك الأبطال"18.

الرابعة: ارتباط الحبّ والانقطاع

أثر الحبّ الثاني هو أنه يجذب العاشق للمعشوق بحيث يقطع أيّ نوع من الارتباط مع أيّ شخص وأيّ شيء آخر، وهذا هو معنى الانقطاع. وفي مناجاة المحبّين المروية عن الإمام زين العابدين في الصحيفة السجادية: "إلهي من ذا الذي ذاق حلاوة محبتك فرام منك بدلاً، ومن ذا الذي أنس بقربك فابتغى عنك حولاً".

إذا حققنا في الأمور التي ذكرت في باب العبادة في برنامج الأنبياء، نرى أن هذه الأمور قد نظمت بحيث إذا أنجزت بشكل صحيح وتام، فإنّ الإنسان سيصل بعد مدة وبشكل طبيعي إلى حالة الانقطاع وقطع الارتباط بكل ما سوى الله فتموت جميع الأهواء في القلب وتتحقق في الإنسان هذه الخصوصية التي ذكرها الإمام الصادق عليه السلام في صفات المؤمن وهي "ميّتة شهوته"19. حينئذ يكون نظر العين لله لا للهوى، وسمع الأذن لله لا للهوى، واليد والرجل تتحرّكان له عز وجل لا للهوى، وتصير إرادة الإنسان في نهاية الأمر مسلّمة لإرادة الحق، وبتعبير أدق وأعمق تصير إرادة الإنسان إرادة الله ويصل الإنسان إلى مقام الفناء في الله، وهو معنى الحديث القدسي: "ما تقرَب إليّ عبد بشي‏ء أحبّ إليّ ممّا افترضت عليه، وإنّه ليتقرَب إليّ بالنّافلة حتّى أحبّه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته"20.

الخامسة: علاقة الانقطاع واللقاء

إنّ الإنسان طبقاً للروايات التي وردت عن المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، لا يصل إلى الكمال ولا ينال رؤيته القلبية واللقاء مع الله عزّ وجلّ ما لم يحصل الانقطاع. يقول سيد العارفين وإمام الموحّدين أمير المؤمنين عليه السلام: "لن تتصل بالخالق حتى تنقطع عن الخلق"21. ويقول عليه السلام أيضاً: "الوصلة بالله في الانقطاع عن الناس"22.

وفي المناجاة الشعبانية التي تحتوي على مضامين عرفانية عالية وعميقة جداً، والتي كان المعصومون عليهم السلام بحسب المنقول يداومون على قراءتها: "إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك وأَنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك حتّى تخرق أبصار القلوب حجب النور فتصل إلى معدن العظمة".

بناء على هذا إنّ أول درجة للعروج والوصول للكمال هي الذكر وآخر درجة هي الانقطاع ويصل الإنسان في مرحلة أوج الانقطاع إلى لقاء الله ورؤية الحق القلبية. ويمكن استنباط السير التكاملي من الإيمان إلى اليقين، أو من الذكر حتى اللقاء من هذه الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي يقول فيه: "قال الله سبحانه إذا علمت أنّ الغالب على عبدي الاشتغال بي نقلت شهوته في مسألتي ومناجاتي فإذا كان عبدي كذلك فأراد أن يسهو حُلْتُ بينه وبين أن يسهو. أولئك أوليائي حقاً أولئك الأبطال حقاً أولئك الذين إذا أردت أن أهلك أهل الأرض عقوبة زويتها عنهم من أجل أولئك الأبطال"23.

ويقول الإمام الصادق عليه السلام في خصائص "أولي الألباب" والعقلاء بعد أن يبيّن أنّ العقلاء هم الذين وصلوا إلى الله عن طريق الفكر والحب: "إنّ أولي الألباب الّذين عملوا بالفكرة حتّى وَرِثُوا منه حُبَّ الله فإنّ حُبَّ الله إذا وَرِثَهُ القلب واستضاء به أَسْرَعَ إليه اللُّطف فإذا نزل (مَنْزِلَةَ) اللّطف صار من‏ أهل الفوائد فإذا صار من أهل الفوائد تَكَلَّمَ بالحكمة فصار صاحب فِطنَة فإذا نزل منزلة الفطنة عمل في القدرة فإذا عمل في القدرة عرف الأطباق السّبعة فإذا بلغ هذه المنزلة صار يتقلّب في فكره بلطف وحكمة وبيان فإذا بلغ هذه المنزلة جعل شهوته ومحبّته في خالقه فإذا فعل ذلك نزل المنزلة الكبرى فعاين ربّه في قلبه وورث الحكمة بغير ما ورثه الحكماء وورث العلم بغير ما ورثه العلماء وورث الصّدق بغير ما ورثه الصّدِّيقون"24.

وعلى هذا الأساس يختصر الإمام الرابع عليه السلام مطالبه الكثيرة من الله في مجال تزيين الروح بالصفات الحسنة بعدة كلمات وهي: "ونبّهني لذكرك في أوقات الغفلة، واستعملني بطاعتك في أيام المهلة، وانهج لي إلى محبتك سبيلاً سهلة أكمل لي بها خير الدنيا والآخرة..."25.
1- نهج البلاغة، خطبة 220.
2- العلّامة المجلسي، بحار الآنوار، ج66، ص196.
3- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص51.
4- م. ن، ج1، ص138.
5- الشيخ الكليني، الكافي، ج1، ص97.
6- العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج4، ص44.
7- م.س، ج1، ص98.
8- العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج91، ص96.
9- م. ن، ج95، ص226.
10- م. ن ، ج40، ص153.
11- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص33.
12- الآمدي، غرر الحكم، ص188.
13- م. ن.
14- م. ن، ص189.
15- م. ن.
16- م. ن.
17- الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 7، ص 154، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث - قم، مطبعة مهر - قم، 1414هـ، الطبعة 2، باب استحباب كثرة ذكر الله...، ح 1.
18- العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 9، ص162.
19- الشيخ الكليني، الكافي، ج2،ص 230.
20- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص352.
21- الآمدي، غرر الحكم، ص200.
22- م. ن، ص199.
23- العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 90، ص162.
24- م. ن، ج36، ص404.
25- الإمام زين العابدين عليه السلام، الصحيفة السجادية، دعاء مكارم الأخلاق.

الخميس، 4 يونيو 2015

حساب الصَمْت

حساب الصَمْت

من نِعَمِ الله سبحانه على عباده أن خلق لهم القدرة على الكلام ومن خلاله نقدر على التفاهم مع الآخرين وإيصال ما نفكر بهِ إليهم. وتحلو الأحاديث وتجمل فيما بيننا، وكل ذلك مكتوب مدوّن في سجل أعمالنا.

لكن الصمت عن أمور لا تعنينا ولا تخصّنا ولا علاقة لنا بها أفضل بكثير من الكلام، والله يحاسبنا على الكلام لا على الصمت.

ما أكثر الشائعات التي انجرفنا بها أو ساهمنا في نشرها، وما أكثر الأحاديث التي ننقلها عن أشخاص ونحن غير متأكدين منها.

في هكذا مواضع يقسو القلب وتجفّ الدمعة ونحن لا نشعر بآثار ما نقوم به.

اللهم ارزقنا القدرة على الصمت، ولا تؤاخذنا بما صدر منّا ونحن غافلون.

كثرة الهموم

كثرة الهموم



كثيرة هي المشاكل التي تواجه العبد في حياته اليومية، وتتعرض له الدنيا الغرارة في مجالات شتى، فتلتبس عليه الأمور، كيف يحصّل لقمة العيش؟ كيف يحل مشاكله؟ كيف يلبّي بعض رغباته، كيف يرضي أهله وأصدقاءه؟ وكيف...؟

كل ذلك يجعله يبتعد عن الله سبحانه، ويظن أنه هو الذي يؤمن كل هذه بنفسه، ويبدأ بصنع لسلّم الأولويات، غافلاً أن الله سبحانه بيده كل شيء، وليس العبد إلا وسيلة صغيرة لتحقيقها.

فوّض أمرك إلى الله في كل الأمور، وليكن هو سبحانه _ الخبير القدير الرازق من حيث نحتسب ومن حيث لا نحتسب _ محلّ وموضع أملنا ورجاءنا في كل شيء، ورضاه قبل كل شيء.

اللهم فوّضنا إليك أمرنا، فاجعل رضاك غاية عمرنا.

قضاء الحاجات

قضاء الحاجات

ليس قضاء الحاجة للمؤمن بالأمور المادية فقط، وإنما الأمور المعنويّة قد تكون أهم من المادية، والعباد كلهم عيال الله، وقضاء حوائجهم وإدخال السرور إلى قلوبهم من موجبات رضا الله سبحانه، ولعلّه من أهم فرص وطرق التقرب إلى الله سبحانه هو السعي في قضاء حوائج المؤمنين، حتى لو لم تستطع قضاءها فإن شعور أخيك المؤمن أنك إلى جانبه وإدخالٌ للسرور إلى قلبه وأنه ليس وحيداً، إنه باب وسيع جداً فتحه الله لنا، له آثاره الأخروية الكبيرة، وانعكاساته في المجتمع، من أراد أن يكثر إخوانه وأحباؤه وأصدقاؤه ويكون له مكانة اجتماعية و... فليسعَ في قضاء حوائج المؤمنين.

لماذا لا نعطي دقائق من يومنا نسعى فيها لنشر السرور؟!

تهذيب النفس باب الإصلاح

تهذيب النفس باب الإصلاح


أعدى الأعداء

عندما يشمّر الإنسان عن ساعد الهمّة، ويعقد النيّة على اتّباع طريق الحق وسلوك درب الآخرة ولقاء المحبوب الأوحد والكمال المطلق، وينزل إلى ساحات العمل والجهاد، فإنه سيصطدم بمجموعةٍ من الموانع والعراقيل التي تقف حجر عثرةٍ أمام تكامله وتدرّجه في مراتب القرب من الحق. في الدروس السابقة ذكرنا بعض أهمّ هذه الموانع، ولكن يبقى في البين مانع وعدوّ هو أخطرها وأشدّها فتكاً وأذىً، ّإنّها نفسه التي بين جنبيه! فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "أعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك"1. والمقصود بالنفس هنا النفس الأمّارة بالسّوء التي توقع الإنسان في المعاصي والأخطاء، وارتكاب المخالفات حتى تتلوّث نفسه بالذنوب المبعدة عن ساحة القدس الإلهي وجنّة لقائه. ويصفها الإمام السجّاد عليه السلام في مناجاة الشاكين فيقول: "إلهي إليك أشكو نفساً بالسّوء أمّارة، وإلى الخطيئة مبادرة وبمعاصيك مولعة، ولسخطك متعرّضة، تسلك بي مسالك المهالك، وتجعلني عندك أهون هالك كثيرة العلل، طويلة الأمل"2.

حقيقة النفس الأمّارة

النفس الإنسانية بحدّ ذاتها جوهرة لطيفة وطاهرة من كلّ دنس وخبث ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾3. ولكنّها عندما تعلّقت بعالم المادّة، واستغرقت بعالم الطبيعة أكثر من الحدّ المطلوب، نسيت الحياة الروحيّة الحقيقيّة في الآخرة والعيش المعنويّ، وأخلدت إلى الأرض حتى تلوّثت بالمعاصي والصّفات السيّئة، والأخلاق الرذيلة، من البخل والحسد والطمع والأنانيّة والحرص والشهوة والغضب وغيرها من الصّفات الخبيثة. وما ذلك إلّا لأجل استجلاب الفوائد والمنافع الماديّة، والتوسّع في الحياة الدنيا، وتحصيل اللذّات الحسّيّة فقط. وكانت النتيجة أن ردّه الله تعالى إلى أسفل سافلين ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾4، ولو شاء الله لرفعه إليه مجدّداً وقرّبه منه، ولكنّه أخلد إلى الأرض فكان مثله كمثل الكلب الذي يلهث من شدّة العطش أو الإعياء فإنّه يستمرّ في اللهاث سواء تركته أو زجرته، وهذا هو حال من أخلد إلى الحياة الدنيا واتّبع هواه، فإنه ضالّ في كلّ حال سواء أرشدته إلى الحق ووعظته أم لم تعظه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾5.

إذاً، فمشكلة النّفس تكمن في تعلّقها بالحياة الدنيا والاستغراق في ملذّاتها وشهواتها، وما ينتج عن هذا التعلّق من الوقوع في المعاصي والذّنوب، بسبب مخالفة الأوامر والأحكام الإلهيّة، واتّباع أوامر النفس وما تهواه ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾6. فتتغيّر مسيرة الإنسان وينغمس شيئاً فشيئاً في ظلمة الشهوات والأهواء النفسيّة وتصبح النفس هي الآمر والناهي في مملكة الإنسان لا الحقّ سبحانه وتعالى ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾7، فيغفل الإنسان تماماً عن مسيرته الأصليّة، وعن برنامج سعادته وكماله، وعن عالم النور الواسع، وعن جنّة الرّضوان، بسبب انشغاله بزينة الحياة الدنيا والعرض الأدنى.

مجاهدة النّفس وتزكيتها عمدة الطريق

إذا أراد الإنسان أن يعالج مشكلة النّفس التي تأمره بالسّوء، من سلطة الأهواء النفسيّة والشهوات الحيوانيّة، فلا سبيل له إلى ذلك إلّا بالمجاهدة. والمقصود من المجاهدة مخالفة أوامر هذه النّفس بهدف إخراج الأنا وحبّ النفس والدنيا من القلب حتى تصفو وتصبح مستعدّة لاستقبال النّعم والفيوضات الإلهيّة. لأنّه كلّما تطهّر القلب من الأنا والأهواء كلّما سما وارتقى في مراتب القرب والكمال ﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾8. والإنسان كادح إلى ربّه لا محالة شاء ذلك أم أبى، ولكنّ هذا الكدح وهذه المجاهدة تارةً تكون عن وعي واختيار كما هو الحال عند أهل الآخرة، وأخرى عن قهر وإكراه كما في حالة أهل النار والعذاب ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾9. فما لم يقطع الإنسان أغلال التعلّقات الماديّة والأهواء النفسيّة، ولم يتحرّر من قيود عالم الطبيعة، بواسطة المجاهدة والتزكية وتحمّل الكدح والتّعب، فإنه لن يصل إلى منزل اللقاء المنشود. فبعد أحد عشر قسماً يحصر الله تعالى فلاح الإنسان بأمر واحد فقط، وهو تزكية النفس وتهذيبها: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَ﴾10. 

وفي آيةٍ أخرى يذكر الحقّ تعالى المجاهدة والتزكية كهدفٍ ومقصد أساسي من بعثة الأنبياء والرّسل إلى الناس: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾11. وإذا أردنا أن نختصر برنامج المجاهدة فيمكن أن نختصره بأمرين أساسيّين هما: 

1- التخلّي: وهو تصفية الباطن وتخلية النفس من الأهواء النفسيّة والصفات الرذيلة والأخلاق السيّئة، الناتجة عن حب النفس والدنيا والتعلّق بهما.

2- التحلّي: وهو تحلية النفس بالصفات الحميدة والأخلاق الإلهيّة.

التخلّي عن الصفات الذميمة

كلّ إنسان معرّض لأن يتلوّث بالصفات الرذيلة بحدود تعلّقه بالحياة الدنيا وغفلته عن الآخرة. وليس أمام سالك طريق الآخرة واللقاء من حلٍّ سوى إزالة هذا التلوّث، وتصفية باطنه من الصفات الناشئة عن حبّ الدنيا والتعلّق بها، حتى يتمكّن بقلب طاهر وصاف من تحلية نفسه بالصفات الحميدة وتهيئتها لإشعاع الأنوار الإلهية.

والمقصود من التخلية، تنزيه الباطن وتطهيره من الصفات الرذيلة، وكلّ ما لا يلائم الحياة الأخرى. ومنشأ هذه الصفات عموماً كما ذكرنا هو حبّ الحياة الدنيا والتعلّق بها. فعندما يشغف الإنسان بالحياة الماديّة ويتعلّق قلبه بها، ويرى أنّ نعم الحياة ولذائذها وزخارفها محدودة، وفي المقابل طلّابها ومنافسوه كثر، فبطبيعة الحال سيميل إلى ردّ منافسيه ودفعهم، والسعي المتواصل لتحصيل أكبر قدر ممكن من المنافع الدنيويّة. من هنا تظهر الصفات الأخلاقية الرذيلة من البغض والحقد والعداء والغضب والحسد، وسوء الظنّ والحرص والطمع والتكبّر والمفاخرة والتعصّب، وقساوة القلب وحبّ الجاه وطول الأمل والغفلة وغيرها من الصفات الذميمة التي تتولّد من فرط التعلّق بالدنيا. لذا على الإنسان الباحث عن طريق الحقّ أن يلتفت إلى هذه الحقيقة، ويدقّق كثيراً في حالاته وصفاته النفسانيّة، ويعمل على إخراج القبيح والسيّئ منها من نفسه:

أوّلاً: من خلال محاربة منشأ ظهور هذه الصفات وهو حبّ الدنيا، بواسطة التفكّر والدراسة الموضوعيّة لحقيقة الحياة الدنيا، ودورها، ومخاطر الرضا والاكتفاء بها، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾12، ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾13. 

ثانياً: من ناحية الهدف، فبما أنّ هدف الإنسان ومقصده المنشود هو الوصول إلى الله تعالى ولقاؤه ﴿مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾14، لذا ينبغي أن يكون هذا الهدف دائماً نصب عينيه، فلا يغفل ولا يحيد عنه قيد أنملة كي لا يسقط في متاهات الدنيا الفانية وملذّاتها الموهومة التي لا تزيده عن الحقّ تعالى إلا بعداً، ﴿إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾15.

ثالثاً: إن برنامج محاربة الصفات الرذيلة والأخلاق الذميمة هو بالعمل بأضدادها. وتوضيحه أنّ لكلّ صفة من الصفات الذميمة صفة ضدّها لا يمكن أن تجتمع معها في مورد واحد. فإذا تحقّقت إحدى الصفات انتفى ما يقابلها من ضدّ مباشرة. فمثلاً كفران النعمة ضدّه الشكر، والجزع ضدّه الصبر، والتكبّر ضدّه التواضع، والغضب ضدّه الحلم، والطمع ضدّه القنوع، والشهوة ضدّها التقوى، والرياء ضدّه الإخلاص، والبخل ضدّه العطاء، والحسد ضدّه الرضا، والغفلة ضدّها التوجّه والانتباه، والجهل ضدّه العلم، والظلم ضدّه العدل، والجبن ضدّه الشجاعة والخيانة ضدّها الأمانة... وأفضل علاج لدفع هذه المفاسد الأخلاقيّة، هو ما ذكره علماء الأخلاق، وهو أن يأخذ الإنسان كلّ واحدة من الصّفات القبيحة التي يراها في نفسه، وينهض بعزم وجدّ على مخالفة نفسه إلى أمد، ويعمل عكس ما ترجوه وتطلبه منك تلك الصفة الرذيلة، كما يقول إمامنا الخميني: "فإنّ الأسلوب الوحيد للتغلّب على النفس الأمّارة، وقهر الشيطان، ولاتّباع طريق النجاة، هو العمل بخلاف رغباتهما"16. ومع الوقت والمداومة على هذه المخالفة سيزول هذا الخلق السيّئ من النفس، ويحلّ محلّه الخلق الحميد بإذن الله تعالى.

رابعاً: التقوى، وهي وقاية النفس من الأمور التي يمكن أن تضرّها وتسبّب الأذى لها ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾17. فالمتّقي هو الذي يكون في حالة إشغال دائمة للنفس بما يرضي الله، من خلال الاتّباع الدائم لأوامره وأحكامه الشرعيّة، والابتعاد عن نواهيه. وبذلك يبدأ الإنسان شيئاً فشيئاً بالتخلّص من سلطة النفس الأمّارة بالسوء والأهواء التي لا همّ لها سوى ملذّات الدنيا وشهواتها. فإذا داوم الإنسان على الطاعات، وأداء الواجبات الشرعيّة، فسوف يخرج من سلطة النفس الأمّارة والأهواء، فتتعافى نفسه بالكامل من الصفات الذميمة والأخلاق القبيحة، وتصبح طاهرة مطهّرة من كلّ رجز وسوء.

خامساً: التوسّل بالله بواسطة الأدعية والمناجاة، وبأهل بيت العصمة  والطهارة عليهم السلام، لرفع هذه الصفات الخبيثة عن قلب الإنسان ﴿وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمً﴾18.

فالخير كلّه بيده وهو على كلّ شيءٍ قدير ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾19.

التحلّي بالصفات الفاضلة

بعد أن يفرغ الإنسان من تنزيه الباطن وتطهيره عن الصفات الخبيثة إثر مجاهدته والتوفيق الربّاني، يبدأ بتحلية النفس بالصفات الروحانيّة والأخلاق الإلهيّة. وعلى ضوء ما عرف سابقا،ً فإنّ الصفات الرذيلة تنشأ بمقتضى الحياة الماديّة المحدودة والمظلمة، وكلّما انقطع الإنسان عن التعلّق بالحياة الدنيا ومحبّتها تتهيّأ الأرضيّة المناسبة لحياة الآخرة الروحانيّة والنوارنيّة ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾20، حتى يتخلّص الإنسان بالكامل من ظلمة العالم المادي وتقييده، ويدخل في عالم الآخرة الروحاني، وتشرق في قلبه لمعات القرب من الله، متّصفاً بصفاته ومتخلّقاً بأخلاقه.

ففي عالم الآخرة لا يوجد أثر للأنانيّة والاستكبار والتكبّر، ولا لسوء النيّة وإرادة الإفساد، ولا أثر هناك للكدورة والاختلاف والنفاق. وبمقتضى هذا المناخ الروحاني ينبغي أن تتلاءم صفات كلّ إنسان وحالاته مع تلك الظروف والأجواء الأخرويّة، وينبغي لمن يسلك طريق اللقاء ويطلب الحياة الروحانيّة الخالدة، أن يتّصف بالحالات والصفات المناسبة والملائمة مع حياة الآخرة. وهذا الأمر ضروريّ للغاية، فبعد أن يخلي الإنسان ساحة نفسه ويطهّرها من التعلّقات الدنيويّة والصفات الذميمة، تصبح أرضيّة النفس صالحة ومُهيّأة لاستقبال نعم الله وفيوضاته وإحسانه ﴿وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورً﴾21، فكلّ خير ينزل على الإنسان هو من الله عزّ وجلّ ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ﴾22، و﴿قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ﴾23، أمّا الإنسان، فإنّه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّا،ً لأنّه مخلوق ضعيف ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ﴾24، وفقير ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾25.

إذاً، تكليف الإنسان الأساسيّ هو تطهير النفس والقلب من المفاسد والرذائل، لأنّ الصفات الخبيثة إذا انتفت تحقّق مقابلها مباشرة. فإذا طابت النفس وطهرت، وانجلت ظلمة الرّين عنها، تبدأ الأخلاق الإلهيّة والصفات الربانيّة بالظهور فيها شيئاً فشيئاً، وتعود النفس إلى أحسن تقويم.

* كتاب دروس في التربية الأخلاقية، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.
1- العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج67، ص64.
2- الإمام زين العابدين عليه السلام، الصحيفة السجادية، مناجاة الشاكين.
3- سورة التين، الآية: 4.
4- سورة التين، الآية: 5.
5- سورة الأعراف، الآية: 176.
6- سورة ص، الآية: 26.
7- سورة الجاثية، الآية: 23.
8- سورة المائدة، الآية: 6.
9- سورة الانشقاق، الآية: 6.
10- سورة الشمس، الآيات: 7 - 10.
11- سورة الجمعة، الآية: 2.
12- سورة البقرة، الآية: 86.
13- سورة التوبة، الآية: 38.
14- سورة العنكبوت، الآية: 5.
15- سورة يونس، الآيتان: 7 - 8.
16- الإمام الخميني قدس سره، الأربعون حديثاً، الحديث الرابع، في بيان معالجة الكبر، ص 130.
17- سورة البقرة، الآية: 223.
18- سورة النساء، الآية: 32.
19- سورة آل عمران، الآية: 26.
20- سورة القصص، الآية: 83.
21- سورة الإسراء، الآية: 20.
22- سورة النساء، الآية: 79.
23- سورة النساء، الآية: 78.
24- سورة الروم، الآية: 54.
25- سورة القصص، الآية: 24.

الخميس، 28 مايو 2015

محمّد صلى الله عليه وآله وسلم حبيب المؤمنين

محمّد صلى الله عليه وآله وسلم حبيب المؤمنين


‬يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾1


تمهيد


ورد في سبب النزول أنّه ادعى جمع من الحاضرين في مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّهم يحبّون الله، مع أنّ العمل بتعاليم الله كان أقلّ ظهوراً في أعمالهم. فنزلت هاتان الآيتان بشأنهم2.

تقول الآية أنّ الحبّ لا يكون بالارتباط والميل القلبيّ فحسب، بل يجب أن تظهر آثاره في عمل الإنسان. فإنّ دعوى الحبّ لله إذا كانت صادقة ينبغي أن تظهر وتتجلّى في أعمال الشخص الّذي يدّعيه، هل يتبع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حقّاً أم لا: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾3.

فإنّ من آثار الحبّ واقعاً ميل وانجذاب المحبّ نحو المحبوب، في أقواله وأفعاله وأعماله، بحيث يستجيب المحبّ للمحبوب في كلّ أوامره ونواهيه، وإلّا لو كان المحبّ للمحبوب عاصياً ومتمرّداً، فهذه علامة على أنّ حبّه غير حقيقيّ بل ادعائيّ لا يتجاوز لسانه.

وهذا ليس خاصّاً بمن نزلت فيهم الآيتان، بل يعمّ جميع العصور والشعوب، فإنّ الذّين يدّعون محبّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام والمجاهدين والشهداء والصالحين والمتّقين, ولكنّ أعمالهم أبعد ما تكون عن مشابهة أولئك, هم كاذبون.

ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "ما أحبّ الله عزّ وجلّ من عصاه".

ثمّ قرأ الأبيات:
تعصي الإله وأنت تظهر حبّه                  هذا لعمرك في الفعال بديع
لو كان حبّك صادقاً لأطعته                    إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع4

إذا كنّا حقّاً نحبّ الله بحيث ظهرت آثار ذلك الحبّ في أعمالنا وأخلاقنا، من خلال اتباع من فرض الله طاعته: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾5، فإنّ الله تعالى سيحبّنا أيضاً بالمقابل: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾6، وسوف تظهر آثار حبّه لنا من خلال غفران الذنوب، وشمولنا برحمته الّتي وسعت كلّ شيء: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾7، وهذا معنى شفاعة نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم.

فما هو معنى الحبّ؟

معنى الحبّ

فالحبّ: هو الوداد والمحبّة8 والميل الشديد، ويُقابله البغض والتنفّر. والتحبّب هو إظهار الودّ والحبّ.

فالحبّ: هو الميل القلبيّ والباطنيّ نحو المحبوب، فلا يكون الشيء محبوباً إلاّ إذا

مالت النفس إليه. وهذا الميل ذو درجات ومراتب، فإذا قوي هذا الميل واشتدّ سُمّي عشقاً9.

أي أنّ الحبّ هو تعلّق خاصّ وانجذاب مخصوص شعوريّ بين الإنسان وبين كماله10.

فمحبّة العبد لله تعالى لِما أنّ الذّات الإلهيّة هي الكمال المطلق غير المتناهي، والإنسان مفطور على حبّ الكمال والميل نحو كماله المطلق، ولا يرضى بكمال محدود حتّى يطلب كمالاً آخر أشدّ وجوداً وأكثر كمالاً.

وأما محبّة الله عبده فلِما أنّ الذات تحبّ آثارها، وصاحب الكمالات والأسماء الحسنى يحبّ مظاهر كماله وتجلّيات أسمائه، وكلّما كان الأثر أكثر دلالةً على ذي الأثر، والمظاهر على الكامل المطلق، اشتدّ الحبّ، والأثر لا يكون أكثر دلالةً على الذات إلّا
بالطاعة والفناء بها، وكذا المظاهر والتجلّيات لا يشتدّ تجلّيها وظهورها إلّا بالقرب من المتجلّي والظاهر. فأحبّ الموجودات إلى الله تعالى هو أقربهم إليه من حيث الكمال والمظهريّة والتجلّي، وهو النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

درجات الحبّ

لمّا كان الحبّ عبارة عن تعلّق وجوديّ بين المحبّ والمحبوب، فهو يسري في جميع الموجودات، وهو من المفاهيم المشكّكة أي له مراتب متفاوتة من حيث الشدّة والضعف والدرجة والمرتبة، لذا مراتب الحبّ عديدة ويمكن ذكر بعضها:
الدرجة الأولى: وهي ادعاء الحبّ على مستوى اللسان. وهذا ليس حبّاً حقيقيّاً، وليس درجة أو مرتبة حقيقيّة.

الدرجة الثانية: وهي الحبّ بمعنى التعلّق القلبي والميل النفسيّ، وهذا قد يكون منشؤه العصبيّة والشعور بالانتماء، وليس هذا هو الحبّ المطلوب.

الدرجة الثالثة: الحبّ القلبيّ الحقيقيّ، بحيث يسري الحبّ من القلب إلى سائر الجوارح، فتظهر آثار هذا الحبّ في عمل الإنسان وأخلاقه وسيرته، وهذا هو الحبّ المطلوب.

وقد يشتدّ هذا الحبّ من خلال المتابعة والالتزام بالتعاليم النبويّة، حتّى يصير المحبوب مقدمّاً على الأولاد والعشيرة والممتلكات والتجارات وغير ذلك، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ﴾11، وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾12.


حب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالعمل بأخلاقه

لما كان النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم حبيب الله تعالى, فكلّ من يدّعي المحبّة لله لزمه حبّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم واتباعه -كما سبق, ومحبّته إنّما تكون بمتابعته وسلوك سبيله, قولاً وعملاً وخُلُقاً وسيرةً وعقيدةً، ولا تصدق دعوى المحبّة إلّا بهذا, فمن لم يكن له من أخلاقه وسيرته‏ صلى الله عليه وآله وسلم نصيب، لم يكن له من المحبّة نصيب، وإذا تابعه حقّ المتابعة ناسب باطنه وسرّه وقلبه ونفسه باطن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وسرّه وقلبه ونفسه.


من تجلّيات الحبّ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

إنّش لحبّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تجلّيات وعلامات عدّة، منها:

1- طاعة الله والعمل الصالح الموصل لمحبّة الله
يقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾13.

أي ما دمتم تدّعون الحبّ لله, إذاً اتبعوا أمر الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم, وإن لم تفعلوا فلستم تحبّون الله, والله لا يحبّ هؤلاء ﴿فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾14.

ويستفاد من الآية أنّ إطاعة الله وإطاعة رسوله لا تنفصلان, وأن إطاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هي إطاعة الله, وإطاعة الله هي إطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ولطاعة الله والرسول صلى الله عليه وآله وسلم آثار عديدة، منها:
أ- دخول الجنّة، قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾15.

ب- مرافقة النبيّين عليهم السلام والصدّيقين والشهداء، قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللّهَ﴾.

ج- الفوز، قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾16.

2- العمل بتعاليم وآداب الإسلام
فإنّ من علامة المحبّ العمل بما يحبّه محبوبه ويقرّبه منه، روى جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال لي: "يا جابر أيكتفي من ينتحل التشيّع أن يقول بحبّنا أهل البيت، فوالله ما شيعتنا إلّا من اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يعرفون يا جابر إلّا بالتواضع والتخشّع والأمانة، وكثرة ذكر الله والصوم والصلاة والبر بالوالدين، والتعاهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام، وصدق الحديث وتلاوة القرآن، وكفّ الألسن عن الناس إلّا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء".

قال جابر: فقلت: يا ابن رسول الله ما نعرف اليوم أحداً بهذه الصفة، فقال: "يا جابر لا تذهبنّ بك المذاهب حسب الرجل أن يقول: أحبّ عليّاً وأتولاه ثمّ لا يكون مع ذلك فعّالاً؟ فلو قال: إنّي أحبّ رسول الله، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيرٌ من عليّ عليه السلام ، ثمّ لا يتّبع سيرته ولا يعمل بسنّته، ما نفعه حبّه إيّاه شيئاً، فاتقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحبّ العباد إلى الله عزّ وجلّ (وأكرمهم عليه) أتقاهم وأعملهم بطاعته، يا جابر والله ما يتقرّب إلى الله تبارك وتعالى إلّا بالطاعة وما معنا براءة من النار ولا على الله لأحد من حجّة، من كان لله مطيعاً فهو لنا وليّ، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدوّ، وما تنال ولايتنا إلّا بالعمل والورع"17.

يقول الإمام الخميني قدس سره: "إنّ ادعاء المحبّة من دون دليل وبيّنة لا يكون مقبولاً، إذ لا يمكن أن أكون صديقك وأضمر لك الحبّ والإخلاص، ثمّ أقوم بكلّ ما هو مناقض لرغباتك وأهدافك. إنّ شجرة المحبّة تنتج وتثمر في الإنسان المحبّ، والعمل حسب درجة المحبّة ومستواها. فإذا لم تحمل تلك الشجرة هذه الثمرة فلا بدّ من معرفة أنّها لم تكن محبّة حقيقيّة، وإنّما هي محبّة وهميّة.. فمحبّ أهل البيت عليهم السلام هو الّذي يشاركهم في أهدافهم، ويعمل على ضوء أخبارهم وآثارهم... وإنّ المؤمن إذا لم يعمل بمتطلّبات الإيمان وما تستدعيه محبّة الله وأوليائه، لما كان مؤمناً ومحبّاً، وإنّ هذا الإيمان الشكليّ والمحبّة الجوفاء من دون جوهر ومضمون"18.

3- زيارة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
لا يخفى على أحد ما للزيارة من ترسيخ علاقة أو ارتباط وتعلّق بمن نزوره، فكيف لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنّه الوسيلة إلى الله والشعيرة الّتي أُمرنا بتعظيمها: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾19.

وقد ورد في فضل وثواب زيارة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم روايات عدّة، منها ما عن الإمام الرضا عليه السلام: يا أبا الصلت إنّ الله فضّل نبيّه محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم على جميع خلقه من النبيّين والملائكة، وجعل طاعته طاعته، ومتابعته متابعته، وزيارته في الدنيا والآخرة زيارته، فقال: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾20، وعن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾21، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من زارني في حياتي أو بعد موتي فقد زار الله"22.

وعن الإمام أبي عبد الله عليه السلام قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من أتاني زائراً كنت شفيعه يوم القيامة"23.

وعن الإمام أبي عبد الله عليه السلام قال: "بينا الحسين بن عليّ في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ رفع رأسه فقال: يا أبه ما لمن زارك بعد موتك؟ فقال: يا بنيّ من أتاني زائراً بعد موتي فله الجنّة، ومن أتى أباك زائراً بعد موته فله الجنّة، ومن أتى أخاك زائراً بعد موته فله الجنّة. ومن أتاك زائراً بعد موتك فله الجنّة"24.

عن الإمام محمّد بن عليّ بن الحسين عليهم السلام قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من زارني أو زار أحداً من ذريّتي زرته يوم القيامة فأنقذته من أهوالها"25.

4- دفع الأذى عنه صلى الله عليه وآله وسلم
يقول صلى الله عليه وآله وسلم: "ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيت"26.

فقد نال صلى الله عليه وآله وسلم من أمّته- أعمّ من كفّارهم ومؤمنيهم ومنافقيهم- من المصائب والمحن وأنواع الزجر والأذى ما ليس في وسع أحد أن يتحمّله إلّا نفسه الشريفة27.

وهو - أرواحنا فداه - ما زال يتمّ توجيه الأذى والإساءة إليه حتّى بعد رحيله صلى الله عليه وآله وسلم ، كما في زماننا هذا، سواء من قبل أعدائه أم من قبل بعض ممّن يدّعون اتباعه ومحبّته.

وكذلك ما نال عترته صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته بعد ارتحاله من قتل وظلم وجور.

فمن كان يدّعي الاتباع والمحبّة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا ينبغي أن يظلم ويكفّر غيره من المسلمين باسم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الّذي قال الله عنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾28، وعلى المسلمين منع إساءة المنكرين لنبوّته صلى الله عليه وآله وسلم ، فكيف يقومون هم بالإساءة؟!


من آثار اتباع ومحبّة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

1- محبّة الله
النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم هو مظهر المحبّة الإلهيّة، فيلزم أن يكون للمتابع والمطيع للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قسط من محبّة الله تعالى بقدر نصيبه من المتابعة والطاعة، فيلقي اللّه تعالى محبّته عليه بواسطة محبّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فيصير محبوباً لله، ومحبّاً له، ولو لم يتابع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بل خالفه، ابتعد عن وصف المحبوبيّة وزالت المحبّة عن قلبه، إذ لو لم يحبّه اللّه تعالى لم يكن محبّاً له، فيقع في الكفر: ﴿فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾29.

عن الإمام الصادق عليه السلام: "من سرّه أن يعلم أنّ الله يحبّه فليعمل بطاعة الله وليتّبعنا، ألم يسمع قول الله عزّ وجلّ لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾30؟، والله لا يطيع الله عبد أبداً إلّا أدخل الله عليه في طاعته اتباعنا، ولا والله لا يتبعنا عبد أبداً إلّا أحبّه الله، ولا والله لا يدع أحد اتباعنا أبداً إلّا أبغضنا، ولا والله لا يبغضنا أحد أبداً إلّا عصى الله، ومن مات عاصياً لله أخزاه الله وأكبّه على وجهه في النار"31.

وعنه عليه السلام:" فمن أحبّ الله أحبّه الله عزّ وجلّ، ومن أحبّه الله عزّ وجلّ كان من الآمنين"32.

2- غفران الذنوب
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾33.

إذا أحبّ الله عبداً غفر له ذنوبه وشملته رحمته، لأنّ محبّة الله عبده رضاه عنه، وهو سبب لغفران ذنوبه وكمال فوزه بالسعادة العظمى وكمال نور إيمانه ووجوب الجنّة له، فإذاً من آثار محبّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم غفران الذنوب.

عن الإمام أبي جعفر عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام - في خطبة له - قال: "وقال في محكم كتابه: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾34 فقرن طاعته بطاعته، ومعصيته بمعصيته، فكان ذلك دليلاً على ما فوّض إليه، وشاهداً له على من اتبعه وعصاه. وبيّن ذلك في غير موضع من الكتاب العظيم، فقال تبارك وتعالى في التحريض على اتباعه، والترغيب في تصديقه والقبول لدعوته: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾35 فاتباعه صلى الله عليه وآله وسلم محبّة الله، ورضاه غفران الذنوب وكمال الفوز ووجوب الجنّة، وفي التولي عنه والإعراض محادّة الله وغضبه وسخطه. والبعد منه سكن النار، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾36 يعني الجحود به والعصيان له"37.

3- الشفاعة
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أُعطيت خمساً لم يعطها أحد قبلي: جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، ونصرت بالرعب، وأحلّ لي المغنم، وأعطيت جوامع الكلم، وأعطيت الشفاعة"38.

وسُئل الإمام أبو عبد الله عليه السلام عن شفاعة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة، قال: "يلجم الناس يوم القيامة العرق فيقولون: انطلقوا بنا إلى آدم يشفع لنا عند ربّه، فيأتون آدم فيقولون: اشفع لنا عند ربّك، فيقول: إنّ لي ذنباً وخطيئة فعليكم بنوح، فيأتون نوحاً فيردّهم إلى من يليه، ويردّهم كلّ نبيّ إلى من يليه حتّى ينتهون إلى عيسى فيقول: عليكم بمحمّد رسول الله فيعرضون أنفسهم عليه ويسألونه فيقول: انطلقوا، فينطلق بهم إلى باب الجنّة، ويستقبل باب الرحمن ويخرّ ساجداً فيمكث ما شاء الله فيقول الله عزّ وجلّ: ارفع رأسك واشفع تُشفع وسل تُعط، وذلك قوله: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾39"40.

وعن الإمام عليّ بن موسى الرضا، عن آبائه عليهم السلام ، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أربعة أنالهم شفيع يوم القيامة: المكرم لذرّيّتي، والقاضي لهم حوائجهم، والساعي في أمورهم ما اضطرّوا إليه، والمحبّ لهم بقلبه ولسانه عندما اضطرّوا"41.


* كتاب إلا رحمة للعالمين، إعداد ونشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- سورة آل عمران، الآية:31.
2- الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل, الشيخ ناصر مكارم الشيرازي, ج2، ص 468.
3- سورة آل عمران، الآية:31.
4- البرهان في تفسير القرآن، السيد هاشم البحراني، ج 1، ص611.
5- سورة آل عمران، الآية:31.
6- سورة آل عمران، الآية:31.
7- سورة آل عمران، الآية:31.
8- لسان العرب لابن منظور، ج 1، ص 289.
9- مـجمع البحرين للشيخ فخر الدين الطريحي، ج1، ص 442.
10- تفسير الميزان، العلامة الطباطبائي، ج1، ص 410.
11- سورة البقرة، الآية: 165.
12- سورة المجادلة، الآية: 22.
13- سورة آل عمران، الآية:32.
14- سورة آل عمران، الآية:32.
15- سورة النساء، الآية:13.
16- سورة النور، الآية: 52.
17- الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص75.
18- الأربعون حديثاً، الإمام الخمينيّ قدس سره، ص 512.
19- سورة الحجّ، الآية: 32.
20- سورة النساء، الآية: 80.
21- سورة الفتح، الآية: 10.
22- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج14، ص 325.
23- م.ن، ج14، ص 333.
24- م. ن، ج14، ص 329.
25- م. ن، ج14، ص 332.
26- بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج39، ص 56.
27- تفسير الميزان، العلامة الطباطبائي، ج6، ص 53.
28- سورة الأنبياء، الآية: 107.
29- سورة آل عمران، الآية:32.
30- سورة آل عمران، الآية:31.
31- الكافي، الشيخ الكليني، ج8، ص 14.
32- الخصال، الشيخ الصدوق، ص188.
33- سورة البقرة، الآية: 222.
34- سورة النساء، الآية: 80.
35- سورة آل عمران، الآية:31.
36- سورة هود، الآية: 17.
37- البرهان في تفسير القرآن، السيد هاشم البحراني، ج 3، ص96.
38- بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج8، ص 38.
39- سورة الإسراء، الآية: 79.
40- بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج8، ص 35.
41- م.ن، ج8، ص 49.

أهل البيت لغة وعرفاً

أهل البيت لغة وعرفاً هذا اللفظ مركب من كلمتين ولكل مفهوم، ويمكن تحديد مفهوم "الاَهل" من موارد استعماله فيقال: 1- أهل الاَمر وا...